ملة إبراهيم

حقائق

الإيمان بالله والكفر بالطاغوت

مقالات

شبهات وردود

قضايا الامة

|||

الجهمية المعاصرة

فيديو

منهاج السنة

هدم قاعدة العذر بالجهل

بواسطة مدونة الخلافة يوم الجمعة، 18 أبريل، 2014 |





كفر الجهل
ــــــــــــــ


مماهو معلوم أن العلم شرط في تحقيق التوحيد، فكيف يتصور أن يعذر جاهل التوحيد إلا إذا قبلنا التناقض، فمن جهل التوحيد فهو كمن لم يوحد أصلا لأن الشرط يلزم من عدمه العدم. 
وكلمة التوحيد لا بد فيها من أمرين لقبولها: 
العلم بمعناها، 
والعمل بمقتضاها.
فالجاهل بالتوحيد كافر كفر الجهل. 


والكفر أنواع ( كفر جهل وتكذيب وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار وكفر نفاق ) . وإذا تأملت أحوال المتلبسين بالشرك، وجدت أنهم يكذبون كل من ينهى عما هم عليه من الشرك كالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وغيرها، بسبب جهلهم. 
ومنهم من يقع في الشرك العظيم وهو يحفظ القرآن ويعرف لغة العرب بل يدرسها 
وقد قال سبحانه: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ . وقال سبحانه: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ . 
فهؤلاء جهال دفعهم الجهل إلى التكذيب بما لم يحيطوا به علما ولم يعذروا بجهلهم. 


آفة أهل النار الجهل
ـــــــــــــــــــــــــ


ومن المعلوم أن أهل النار جهال فقد وصفهم الله سبحانه بغاية الجهل ومنتهاه قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ . وقد ذكر الله سبحانه شك المشركين فيما جاءهم من عند الله والشاك جاهل قال سبحانه: ﴿ِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ . وقال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .


من يحسب أنه على حق وهو على باطل: جاهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يقول سبحانه: ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ . 


قال الطبري ( هذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين أن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عنادا بعد علمه بوحدانيته وبعد تقرر صحة ما عاند ربه تبارك وتعالى عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون، وأنهم يخادعون الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون ثم أخبر تعالى ذكره أن لهم عذابا أليما بتكذيبهم بما كانوا يكذبون من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا في زعمهم أنهم مؤمنون وهم على الكفر مصرون) . 


وقال البغوي: ( وما يشعرون) أي : لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم ) .


وقال ابن كثير ( وقوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك وأن ذلك نافعهم عنده وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين ) .


قال تعالى: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .


قال ابن كثير في تفسيره: ( قال ابن جرير : وهذا من أبين الدلالة على خطإ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيرتكبها عنادا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهُدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية ) .


فهذا كلام شيخ المفسرين وصاحب أصح التفاسير، وقال البغوي في تفسيرها : ( قوله عز وجل ﴿ فَرِيقًا هَدَى ﴾ أي هداهم الله ﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ ﴾ وجب ﴿ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾ أي الإرادة السابقة ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء) .


وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ .
( روى البخاري عن مصعب قال سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ أهم الحرورية ؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد رضي الله عنه يسميهم : الفاسقين" ) .
وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم. لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا. 
فإن هذه الآية مكية، قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد غير الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ . وقوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ .
وقال في هذه الآية الكريمة ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي نخبركم 
﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ ثم فسرها فقال ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ أي : يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون) .


الخروج من الدين من غير قصد بسبب الجهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر حديث الخوارج ( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام) . 


وقد نقل عن ابن جرير الطبري أنه قال في تهذيب الآثار بعد أن ساق الأحاديث في الخوارج "فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث ( يقولون الحق ويقرأون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء) "


الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم عن غير قصد 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قال شيخ الإسلام عند كلامه على قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ . قال ( ..فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإجلال ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له واستخفاف به، وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كافرا، فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى ) . 
وقال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث في كفر المنتقص من النبي صلى الله عليه وسلم ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد الكفر أحد " إلا ما شاء الله " ) .
وإذا كان الإنسان قد يخرج من الإسلام دون أن يقصد الخروج منه فما معنى التوقف عن التكفير حتى تنتفي موانعه؟


وقال رحمه الله في معرض حديثه عن سب النبي صلى الله عليه وسلم ( والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب فكذلك تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر ألا يقصد الكفر) .


أما اشتراط قصد الكفر في التكفير فهذا يقتضي كما قال ابن الوزير في " إيثار الحق على الخلق" ألا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر المحجوبة فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص" كما هو اعتقاد المرجئة.


وقد جاء في حديث طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( دخل الجنة رجل في ذباب، دخل النار رجل في ذباب قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال ( مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا فقالوا لأحدهما قرب، قال ليس عندي شيء أقرب، قالوا له قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار وقالوا للآخر قرب فقال ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة ) . 
فهذا الرجل لم يقصد عبادة غير الله بل قرب الذباب لينجو بنفسه ولم يكن يدري أن فعله ذلك يدخله النار. 


ولذلك قال محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: ( فيه مسائل.. التاسعة: كونه دخل النار بذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم لأنه لو كان كافرا لم يقل " دخل النار في ذباب" ) .


قال عبد الرحمن بن حسن ( وفي هذا الحديث التحذير من الوقوع في الشرك وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار) .


الاستهزاء بالله وآياته
ـــــــــــــــــــــــــــ


قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ .


قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله ( لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل ) .


قال ابن تيمية ( ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ فاعترفوا واعتذروا ولهذا قيل: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ 


فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفُر صاحبُه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا. وكان كفرا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه. 
وهكذا قال غير واحد من السلف في صفة الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا وعرفوا ثم أنكروا وآمنوا ثم كفروا وكذلك قال قتادة ومجاهد: ضرب المثل لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم) .


دخول العبد النار بكلمة لا يرى بها بأسا لجهله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جنهم ) .


قال الحافظ بن حجر ( "لا يلقي لها بالا": أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئا وهو من نحو قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ . وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ ( إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة) وقال في السخط مثل ذلك... وأخرج الترمذي هذا الحديث بلفظ ( لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا) . وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن إطلاق الكلام بغير علم. 


ذهاب العلم والعلماء يفتح باب الشرك 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال ( صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد أما "ود" فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. 
وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت) . قال في فتح المجيد: (قوله: " ونسي العلم" ورواية البخاري وينسخ وللكشمينهي "ونسخ العلم" أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنا منهم أنه ينفعهم عند الله) . 


القدرية كفار رغم جهلهم 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


روى مسلم من حديث يحي بن يعمر قال (كان أول من تكلم في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين .. الحديث، وفيه أنهم سألوا ابن عمر عن ناس يقرؤون القرآن ويتقعرون العلم وذكر من شـأنهم وأنهم يزعمون ألا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ... الحديث) . 
قال النووي في شرحه للحديث : هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنه ظاهر في تكفيره القدرية، 


قال القاضي عياض رحمه الله : " هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف) .


وقال ابن تيمية ( وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب فيه وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار، وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالبية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار. كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما ) .
فتأمل كيف أن ابن عمر لم ينظر في حال هؤلاء بل قال بكفرهم بمجرد سماعه لمقالتهم، وهكذا الأئمة قالوا بكفرهم، ومعلوم أنهم ما قالوا مقالتهم إلا بسبب الجهل والتأويل الفاسد، ثم إنها دون عبادة غير الله، فكيف بمن وقع في الشرك بعبادة غير الله؟ 


عبادة غير الله مع الجهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


قال ابن جرير رحمه الله: ( فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة ظاهرة للحس غير خفية. فتوحيد الله تعالى ذكره والعلم بأسمائه وصفاته وعدله. وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلا دالا وبرهانا واضحا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه ويوضح له حقيقة صحة ذلك، ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره، والخلاف عليه بعدم العلم به وبربوبيته في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة فقال جل ثناؤه: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ ) .


قال محقق "التبصير" علي بن عبد العزيز بن علي–أحد المحققين الكبار- في تعليقه على كلام ابن جرير هذا: ( ومثل هذا ما قاله – رحمه الله – في تفسيره لآيات الكهف (15/28) فقال: ( والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله عز وجل عنى بقوله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهبان والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا) ا.هـ 


قال المحقق ( وإن زعم هؤلاء- وبعضهم ذو اجتهاد وعبادة على طريقته- أنهم يتعبدون لله ويتقربون إليه، ومع هذا كله كفرهم الله وسماهم بأسماء الكفرة وجعل لهم أحكامهم في الآخرة، ولازمه أنه لم يعذرهم على جهلهم وظنهم ( حسبانهم ) أنهم على حَسَنٍ من العمل صالح كما في سورة فاطر حيث يقول سبحانه: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾، قالها سبحانه في هؤلاء وأمثالهم، فجهلهم غير مقبول لوجوب طلب الهدى عليهم وتقرره في حقهم وهذه المسألة مهم فهمها".


ثم ساق رد ابن جرير رحمه الله على من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانية الله.
قال المحقق ( وهذا مثل كفرة أهل الكتاب من اليهود والنصارى والقبوريين بل والوثنيين عموما لا يكفرون حتى يعلم قصدهم للكفر وعناد الله سبحانه وتعالى وهذا باطل بصريح القرآن والسنة... ودلالة الفطرة والعقل السليم. فتأمله بلوازمه ترى أثره ) .


فتأمل رحمك الله كيف عطف القبوريين على اليهود والنصارى ثم عطف عليهم الوثنيين عموما مع العلم أن القبوريين ينتسبون للإسلام ويجهلون ما هم عليه من الشرك بالله، فصنيعه هذا هو ما يقتضيه الفهم السليم والمعرفة الحقة.
________________________ 


قال الشوكاني ( من وقع في الشرك جاهلا لم يعذر، لأن الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن جهل فقد أُتي من قبل نفسه بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة وإلا ففيهما البيان الواضح كما قال سبحانه وتعالى في القرآن 
﴿.. تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ . وكذلك السنة قال أبو ذر رضي الله عنه ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ترك طائرا يقلب جناحيه بين السماء والأرض إلا ذكر لنا منه علما . أوكما قال رضي الله عنه، فمن جهل فبسبب إعراضه ولا يعذر أحد بالإعراض ) اهـ
_____________________________
جزء من مقال "رسالة الي العاذر بالجهل"

الشرك دليل على الجهل بالله

بواسطة مدونة الخلافة يوم الخميس، 17 أبريل، 2014 |



لذلك لاتجد مشركاً قط إلا وقد ظن بربه ظن السوء وهذا الظن طعن مباشر في ألوهيته وربوبيته ونفى لهما فلذلك تجد معبوده ليس هو الله وإن ادّعى غير ذلك، وإنما معبوده هو الشيطان –عليه لعنة الله- ومن هنا نعلم أن أي مشرك لم يعرف الله وإن زعم غيره وهذا معنى قول المعصوم، صلى الله عليه وسلم، في أهل الكتاب –فإذا عرفوا الله-. وهذا يبطل قول من يزعم أن من أقر لله بالعبودية في الإجمال دون التفصيل –أي: أنه قد يدعو غير الله أو يذبح أو ينذر لغير الله مع إقراره أنه لا يعبد إلا الله –فهو مسلم في الدنيا وناج عند الله يوم القيامة فإن هذا باطل كل البطلان لأن الله لا يعبد إلا بالتوجه له وحده لا شريك له وأن يكن المتوجه مسلماً خالصاً لله الواحد القهار، فالشرك ينفي مفهوم العبادة لدى هذا العبد فلا يوصف بأنه عبد الله.
والدليل الصحيح الصريح –بفضل الله وعونه وكرمه- على ما مضى كله الحديث الذي في الصحيح"... كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت...".

قلت: ومن المعلوم أن من كان يعبد الطواغيت والقمر والشمس يظن أنه يعبد الله، ولكن هو في حقيقة الأمر يعبد الطواغيت لذلك عند التوجه في أرض المحشر تبعهم ولم يتبع رب العالمين، ولم يبق في أرض المحشر إلا من كان يعبد الله وحده لا شريك له مخلصاً له الدين بعد إقصاء أهل الكتاب والمنافقين كما جاء في الحديث. فعلم بهذا الحديث أن عبادة الله لا تكون إلا بالتوجه لله وحده لا شريك له في حال إسلام وإخلاص من المتوجه. وإذا كان ذلك كذلك لم يبق للمشرك أياً كان هذا المشرك نصيب من عبادة الله، وعلم بيقين أن أي مشرك فهو جاهل بربه مضرب عن عبادته شاء المشرك أم أبى وهذا في حقيقة الأمر.

قال صاحب قرة عيون الموحدين تعليقاً على حديث معاذ
_______________________________________

قوله: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". وكانوا يقولونها لكنهم جهلوا معناها الذي دلّت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه. فكان قولهم: لا إله إلا الله لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال: أكثر المتأخرين من هذه الأمة فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك...
وفيه دليل على أن توحيد العبادة هو: أول واجب لأنه أساس الملة وأصل دين الإسلام، وأما قول المتكلمين ومن تبعهم: إن أول واجب معرفة الله بالنظر والاستدلال فذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده، ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل أممهم إلى توحيد العبادة. (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). أي: لا تعبدوا إلا الله. قال –تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). وقال –تعالى-: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [إبراهيم: 10].

قال العماد ابن كثير –رحمه الله تعالى-: هذا يحتمل شيئين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطرة شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى .اهـ...

وقد علمنا أن لا إله إلا الله قد قيدت في الكتاب والسنة بقيود ثقال، منها: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والانقياد والكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعه. والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها، ومنهم من لا ينفعه كما لا يخفى اهـ.

قلت: فهل بعد بيان هذا الحديث من بيان؟ وهل بعد برهانه من برهان؟ وهل بعد دلالته من دلالة؟ من أن العلم بالله –تعالى- هو أول واجب على الخلق وأن التوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من العلم الصحيح لمعنى الشهادتين، وهو المقصود بقوله، صلى الله عليه وسلم: "فإذا عرفوا الله". وهذا المعنى بفضل الله وهو معرفة الله المعرفة التي تدفع صاحبها إلى إفراد الله بالتأله وخلع عبادة كل ما سواه هي: أول واجب بالإجماع وهي النافعة دون غيرها في الدارين ذكره متواتر في كتب العلماء.


S

الانخــــراط في جيش الطاغــوت

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


أخي الكريم ...السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة...
اما بعد: - سؤالي حول مسألة الانخراط في الجيش الطاغوت النظامي بحجة المصلحة ومنها النكاية فيهم او قتل او قطف روؤس الائمة الكفار......والذين يقولون بهذا يحتجون بعدة أمورة : - 1 _ قصة الصحابي الجليل محمد بن مسلمة في قتل لكعب بن الاشرف. 2 - وايضا قصة الصحابي فيروز الديلمي في قتل الاسود العنسي الذي ادعى النبوة. 3 - ونعيم بن مسعود عندما كتم اسلامه في يوم الاحزاب رضي الله عنهم جميعا....؟

ونريد منكم كشف وتوضيح وردود لهذه المسألة...وجزاكم الله خيرا...
__________________________________

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ... ما سألت عنه سؤال مهم جدا جدير أن يجاب عنه نسأل الله تعالى التوفيق والسداد في الجواب عنه

اعلم هدانا الله وإياك أن الواجب على من أراد النجاة ألا يعارض نصوص الشرع بعضها ببعض بل عليه أن يرد المتشابه إلى المحكم ولا يستدل بنصوص متشابهة فيقع في زيغ أهل الزيغ والضلال .

والمحكم عندنا في هذا الباب هو أنه لا يحل لعبد كائن من كان أن يتلبس بكفر أو شرك إلا مكرها على ذلك لقوله تعالى : " {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } قال شيخ الإسلام في تفسيرها : (ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول وإنما يكره على القول فقط فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا فصار كل من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان

يقول شيخ الإسلام : ((وَقَدْ يَعْتَرِفُونَ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا أَوْ مُحَرَّمَةٌ؛ وَلَكِنْ يَقُولُونَ مَا أَمْكَنَنَا إلَّا هَذَا وَإِنْ لَمْ نَفْعَلْ هَذَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمُحَرَّمِ حَصَلَ الْوُقُوعُ فِيمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ تَحْرِيمًا وَفِي تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ مَا يَزِيدُ إثْمُهُ عَلَى إثْمِ هَذَا الْمُحَرَّمِ الْقَلِيلِ فِي جَنْبِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْمُحَرَّمِ الْكَثِيرِ...وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ وَاقِعَةٌ لِكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ وَجَوَابُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مَقَامَاتٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قِسْمَانِ:

" أَحَدُهُمَا " مَا يَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْ مِنْهُ شَيْئًا لَا لِضَرُورَةِ وَلَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ: كَالشَّرَكِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَالظُّلْمِ الْمَحْضِ وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُحَرَّمَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَبِتَحْرِيمِهَا بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَلَمْ يُبِحْ مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ وَلَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَلِهَذَا أُنْزِلَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةُ الْمَكِّيَّةُ وَنَفْيُ التَّحْرِيمِ عَمَّا سِوَاهَا؛ فَإِنَّمَا حَرَّمَهُ بَعْدَهَا كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ حَرَّمَهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَلَيْسَ تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا)).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ثم إنه لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الأمر ولا الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، بل من تكلم بها فهو كافر إلا أن يكون مكرها فيتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان) [الفتاوى الكبرى - (6 / 86)]

وتابعه على ذلك تلميذه ابن القيم فقال:
(ولا خلاف بين الامة أنه لا يجوز الاذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الاغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالايمان) [إعلام الموقعين - (3 / 178)].

ولهذا اتفق أهل العلم على أن الكفر لا يجوز أن يكون حيلة للوصول إلى أي غرض أو غاية .

قال ابن القيم:
(وذكر لأحمد: أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها فيأبى عليها فقال لها بعض أرباب الحيل: لو ارتددت عن الإسلام بنت منه ففعلت فغضب أحمد رحمه الله وقال: من أفتى بهذا أو علعمه أو رضي به فهو كافر
وكذلك قال عبدالله بن المبارك ثم قال: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى جاء هؤلاء فتعلمه منهم...
وقال عبدالله بن المبارك في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد في أيام أبي غسان فارتدت ففرق بينهما وأودعت السجن فقال ابن المبارك وهو غضبان: من أمر بهذا فهو كافر ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به فهو كافر وإن هويه ولم يأمر به فهو كافر) [إغاثة اللهفان - (1 / 356)].

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال، لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه، " .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "والسحر حرام وكفر، أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة ! " .

وكذلك هذه الوقائع المستدل بها هي من وقائع الأعيان التى لا عموم لها وهي تحتمل أكثر من وجه في فهمها والقاعدة تنص على أنه " إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال كساه ثوب الإجمال وسقط به الاستدلال

أما استدلالهم بقصة قتل فيروز الديلمي للأسود العنسي فاعلم أن اسناد هذه القصة ضعيف لا يمكن قبولها فضلا عن تأسيس أحكام خطيرة على هذه القصة . فقد أعله البخاري بالانقطاع ؛ فقد رواه علي بن عبد الرحمان ، قال : حدثنا يحيى بن معين ، قال : حدثنا وهب بن جرير , عن أبيه , عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب , عن أبي وهب الجيشاني , عن الضحاك بن فيروز الديلمي , عن أبيه قال : أسلمت وعندي أختان , فأتيت النبي j , فسألته فقال طلق أيتهما شئت ...

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه أبو وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه
قال البخاري في إسناد هذا الحديث نظر
ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهول حالهما وفيه يحيى بن أيوب ضعيف .

وقال الصنعاني في السلام : ( وأعله البخاري بأنه رواه الضحاك عن أبيه ورواه عنه أبو وهب الجيشاني و قال البخاري لا نعرف سماع بعضهم من بعض

أما قصة محمد بن مسلمة فالرجل رضي الله عنه لم يفعل كفرا حتى ستدل بفعله على الدخول في جيوش الطواغيت والمكوث في صفوفهم السنون الطوال والإئتمار بأمر رؤسائهم وتكثير سوادهم وإليك بيان حقيقة هذه القصة والرد على استدلالهم الخاطئ

- حديث قتل كعب بن الاشرف : فقد قال محمد بن مسلمة : ( إن هذا الرجل قد عنّانا ـ أي أتعبنا ـ وسألنا الصدقة ، قال وأيضا فوالله لتملنّه ، قال : فإنا اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير أمره ) رواه البخاري من حديث جابر رضي الله عنه .

وقد دل حديث كعب بن الاشرف على جواز الكـــذب في الحرب كما بوّب البخاري للحديث الثاني ( باب الكذب في الحرب ) .

ولا يصح الاستدلال بالخبر على جواز إتيان الكفر ظاهرا ، في حال الحرب ، لان أذى النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم بالنيل منه ، الذي هو كفر ، لم يتحقق هنا .

ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ، قد أذن بقول ما يعلم أن قائله لا يقصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان صلى الله عليه وسلم ربما يعفو عن أذى من يؤذيه ، ولهذا لما قيل عنه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائــــــم ، ( والله إنها لقسمة ما عدل فيها ) ، قال ( يرحم الله موسى ، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) رواه البخاري .

والمقصود أن إذنه صلى الله عليه وسلم ، لقائل أن يقول عنه ما لا يريد بذلك أذاه ، بل يقول قولا يحتمل في ظاهر اللفظ أذاه ، وهو مع ذلك معظمُ للنبي صلى الله عليه وسلم ، متبعُ له ، قاصدُ نصر دينه ، أنه ليس فيه ما يدخل في باب إظهار الكفر أصلا ، ولهذا بوّب له البخاري رحمه الله ( باب الكذب في الحرب).

وهذا يختلف عن إظهار الكفر بتعظيم الشرك وعبادة غير الله تعالى ، فإن هذا لا يحل إلا بالإكراه ، كما هو نص القرآن ، قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعا : ( اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفا منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم فإنه كافر مثلهم ، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين ، ... ولايستثنى من ذلك إلا المكره ، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون اكفر ، أو افعل كذا ، وإلا فعلنا بك وقتلناك ، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب ) الدرر السنية 7/58

* أما قصة نعيم ابن مسعود فهي في غاية الضعف ولا يصلح الاستدلال بها وإليك تحقيق هذه القصة من ناحية الإسناد ومن ناحية المعنى

هذه القصة رويت مسندة وغير مسندة في كتب المغازي والسير والتفاسير وهي مشهورة جدًّا ولكنها بدون إسناد يعتمد عليه إلا أن أهل المغازي والسير تناقلوها عن ابن إسحاق والواقدي وقد اقتصرنا على من أخرجها مسندا وعلى محل الشاهد منها وهو: « خذل عنا » وما نحوه من الألفاظ وليس المقصود تخريج قوله :« الحرب خدعة» فهذا صحيح متواتر عنه صلى الله عليه وسلم من غير حديث نعيم بن مسعود ، وإلا فلها طرق أخرى ليس فيها محل الشاهد وممن ذكر هذه القصة وما قام نعيم بن مسعود من التخبيب والتفريق بين الأحزاب من كفار قريش واليهود وغيرهما :
ابن إسحاق في السيرة النبوية 2/229،
والواقدي في مغازي الواقدي 2/480 ،
وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/56، 4/209
والبلاذري في أنساب الأشراف 1/165،
والطبري في تاريخ الأمم والملوك 3/44. 2/577
والبيهقي في دلائل النبوة 3/415،
وابن عبد البر في الدرر 186- 187،
والسهيلي في الروض الأنف 6/277،
وابن الأثير في الكامل 2/ 68 ،
والكلاعي في الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء 2/172،
وابن سيد الناس في عيون الأثر 2/64،
وابن القيم في زاد المعاد 2/131،
وابن كثير في البداية والنهاية 4/111- 112،
والسمهودي في وفاء الوفا 1/217،

والسيوطي في الدر المنثور 5/192،
والقسطلاني في المواهب اللدنية 1/113 وغيرهم كثير .
كلهم يروي القصة مطولا ومختصرا وقد اقتصرنا على محل الشاهد وألفاظه:
* فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا فإن الحرب خدعة» . وبنحوه : «خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة» .و بنحوه أيضا:« خَذِّلْ عَنَّا، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ » .
* وفي لفظ : قال: « مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تُخَذِّلَ عَنَّا النَّاسَ فَخَذِّلْ. قَالَ قُلْتُ: وَلَكِنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّى أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ مَا بَدَا لَكَ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ » .
* وفي لفظ : « الحرب خدعة، وعسى أن يصنع الله لنا » .
وأما اللفظ الأول : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا فإن الحرب خدعة» . وبنحوه : «خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة» ، أو « خَذِّلْ عَنَّا، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ ».
أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان عن تفسير القرآن (8/ 16) ، والبغوي (3/ 617)
والخازن في معاني التنزيل (3/ 414) وغيرهم كثير - غير مسند- من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطّلب.الحديث مطولا .
قلت: إسناده حسن ـ يحيى بن عباد وأبوه ثقتان، وعباد بن عبد الله يروي عن بعض الصحابة وسمع من أبيه وعائشة ، ولا أدري سماعه من صفية بنت عبد المطلب فإنها قديمة الوفاة توفيت في خلافة عمر بن الخطاب . وَقَال البرقاني: قلت للدارقطني: يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبد الله بن الزبير، عَن أبيه، عن معاوية؟ قال: سماع ابيه عن معاوية لا يصح إلا أنه أدركه، ويحيى وأبوه عباد ثقتان (سؤالاته الترجمة 537) . وَقَال ابن حجر في "التهذيب": وأما روايته عن عُمَر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد (5 / 98) . فأخشى أن تكون روايته عن صفية مرسلة .
وأخرجه الطبري في تاريخ الرسل والملوك (2/ 577)،والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 445) ، من طريق ابن إسحاق مرسلا ، فقال : فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى خَوْفِهِمْ، أَتَى نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهكذا رواه مرسلا ، السهيلي في الروض الأنف (6/ 218) وابن الأثير في الكامل في التاريخ (2/ 68) وابن كثير في البداية والنهاية (4/ 128) ورويت مرسلة أيضا من حديث الزهري (وهو ابن شهاب) كما رواها الطبري وابن كثير .
ورواه البيهقي من طريق آخر قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...الحديث .
قلت: وهذا إسناد ضعيف مرسل فيه رجل لم يسم ، وعبد الله بن كعب تابعي لم يدرك القصة .
وأخرجها الطبري مختصرا جدا في تهذيب الآثار مسند علي (3/ 130) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5/ 2668) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَابِرٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ: ابْنَةِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «خَذِّلْ عَنَّا، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ».
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًّا منكر؛ فيه عبد العزيز بن عمران هو المعروف بابن أبي ثابت الزهري المدني، قال البخاري: لا يكتب حديثه، منكر الحديث. التاريخ الكبير (6/ 29)
والضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 13).و ضعفه الدارقطني وغيره .
وقال يحيى بن معين: ليس بثقة . الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 13).
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوك الحَدِيث. الموضوعات لابن الجوزي (2/ 184) .
وقال الذهبي : مجمع على ضعفه . ديوان الضعفاء (ص: 253).
وبقية الإسناد من فوق عبد العزيز غير معروفين لم أجد فيهم جرحا ولا تعديلا ،خاصة وأنه وقع تحريف في اسم إبراهيم بن صابر ، فقيل : ابن جابر عند أبي نعيم.
وأما اللفظ الثاني: « مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تُخَذِّلَ عَنَّا النَّاسَ فَخَذِّلْ. قَالَ قُلْتُ: وَلَكِنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّى أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ مَا بَدَا لَكَ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ » .
أخرجه الواقدي في المغازي (2/ 480) وعنه ابن سعد في الطبقات الكبرى (4/ 209)
ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (3/ 235) جميعهم عن الواقدي
وهو مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَاصِمٍ الْأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ: كَانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ أَهْلَ شَرَفٍ وَأَمْوَالٍ،... الحديث مطولا .
قلت: إسناده موضوع واهٍ ، فيه الواقدي . وقَال البُخارِيُّ : الواقدي مديني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أَحْمَد، وابن نمير، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا .
وَقَال في موضع آخر : كذبه أَحْمَد.
وَقَال معاوية بن صالح: قال لي أَحْمَد بْن حنبل: هو كذاب .
وَقَال معاوية أيضا عَن يحيى بْن مَعِين: ضعيف.
وَقَال فِي موضع آخر : ليس بشيءٍ.
وَقَال إسحاق بن منصور: قال أحمد بن حنبل: كان الواقدي يقلب الاحاديث يلقي حديث ابن أخي الزُّهْرِيّ على معمر ونحو هذا. انظر :تهذيب الكمال للمزي (26/ 185).
قال إسحاق بن راهويه: هو عندي ممن يضع الحديث. (الجرح والتعديل: 8 / الترجمة 92) .
وقال علي بن المديني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقدي يركب الأسانيد (تاريخ الخطيب: 3 / 13، 16) . وقال الذهبي : مجمع على تَركه . المغني في الضعفاء (2/ 619) .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُتُبُ الْوَاقِدِيِّ كَذِب، وَلَيْسَ فِي الْمَغَازِي أَصَحُّ مِنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عقبَة انْتهى . المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (ص: 226).
وبقية الإسناد من فوق الواقدي غير معروفين لم أجد لهما ترجمة .
وأما اللفظ الثالث: « الحرب خدعة، وعسى أن يصنع الله لنا » .
أورده الحافظ ابن كثير بغير إسناد في السيرة النبوية (3/ 217)، وفي البداية والنهاية (6/ 62) ، وعزاه لابن إسحاق في السيرة له ، والبيهقي في الدلائل . وقد تقدم الكلام عليه .
قلت: فهذه قصة نعيم بن مسعود وما فيها من الضعف وبعض أوجهها موضوع واهٍ، وإن سلّمنا بحسن اللفظ الأول والثالث من القصة لشهرتها وكثرة ناقليها ، فأين إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لنعيم بقول أوفعل الكفر وأين من فهم ذلك من السلف الصالح ، والذي يتتبع سياق القصة يجد أن نعيمًا قلّب هؤلاء الكفار بعضهم على بعض ولم يسئ للنبي صلى الله عليه وسلم أو لدينه أو لربِّه أو لأصحابه بكلمة أو فعل مكفر ، فلا أدري من أين أتوا هؤلاء الجهمية المعاصرة المرقعين للطواغيت وأذنابهم بهذا الفهم، سبحانك هذا بهتان عظيم.

وإليكم ما فهمه السلف الصالح من هذه القصة :
قال محمد بن الحسن رحمه الله :« فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ». شرح السير الكبير (1/ص: 122) .
وقال ابن سعد رحمه الله: «كان نعيم بْن مَسْعُود الأشجعي قد أسلم فحسن إسلامه فمشى بين قريش وقريظة وغطفان وأبلغ هَؤُلَاءِ عَن هَؤُلَاءِ كلاما وهؤلاء عَن هَؤُلَاءِ كلاما يري كل حزب منهم أَنَّهُ ينصح لَهُ. فقبلوا قوله وخذله عَن رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واستوحش كل حزب مِن صاحبه » . الطبقات الكبرى (2/ 53) .
وقال أَبُو عُمَر بْن عَبد الْبَرِّ رحمه الله : «هاجر إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأسلم فِي الخندق، وهُوَ الذي خذل المشركين وبني قريظة حَتَّى صرف الله المشركين بعد أن أرسل عليهم ريحا وجنودا لم يروها . وخبره فِي تخذيل بني قريظة والمشركين فِي السير خبر عجيب». تهذيب الكمال في أسماء الرجال (29/ 492) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : « الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حِيلَةً أَوْ يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ حِيلَةً، أَوْ يُسَمُّونَهُ آلَةً - مِثْلُ الْحِيلَةِ الْمُحَرَّمَةِ - حَرَامًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي تَنْزِيلِهِ: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} [النساء: 98] فَلَوْ احْتَالَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَضْعَفُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ بَيْنِ الْكُفَّارِ لَكَانَ مَحْمُودًا فِي ذَلِكَ وَلَوْ احْتَالَ مُسْلِمٌ عَلَى هَزِيمَةِ الْكَافِرِ، كَمَا فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أَوْ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ مِنْهُمْ، كَمَا فَعَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ علاط وَعَلَى قَتْلِ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا فَعَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ احْتَالُوا عَلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ الْيَهُودِيِّ وَعَلَى قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَ مَحْمُودًا أَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» . وَكَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا وَلِلنَّاسِ فِي التَّلَطُّفِ وَحُسْنِ التَّحَيُّلِ عَلَى حُصُولِ مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ دَفْعِ مَا يَكِيدُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ سَعْيٌ مَشْكُورٌ....إلى أن قال رحمه الله في مبحث جليل ينبغي الرجوع إليه كاملا - :
وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُظْهِرَ قَوْلًا وَفِعْلًا مَقْصُودُهُ بِهِ مَقْصُودٌ صَالِحٌ، وَإِنْ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ غَيْرَ مَا قَصَدَ بِهِ إذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِثْلُ دَفْعِ ظُلْمٍ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ مُسْلِمٍ، أَوْ دَفْعِ الْكُفَّارِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الِاحْتِيَالِ عَلَى إبْطَالِ حِيلَةٍ مُحَرَّمَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ حِيلَةٌ جَائِزَةٌ ». الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 106)
وقال أيضا :« حَتَّى خَبَّبَ بَيْنَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ: رِيحَ الصَّبَا، وَالْمَلَائِكَةَ مِنَ السَّمَاءِ» . منهاج السنة النبوية (8/ 108)
ويقول ابن القيم رحمه الله: «فَنَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمَّى حِيلَةً حَرَامًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} [النساء: 98] أَرَادَ بِالْحِيلَةِ التَّحَيُّلُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ بَيْنِ الْكُفَّارِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْحِيلَةُ عَلَى هَزِيمَةِ الْكُفَّارِ، كَمَا فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أَوْ عَلَى تَخْلِيصِ مَالِهِ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ بِامْرَأَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْحِيلَةُ عَلَى قَتْلِ رَأْسٍ مِنْ رُءُوسِ أَعْدَاءِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ الْيَهُودِيَّ. وَكَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَأَبَا رَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ؛ فَكُلُّ هَذِهِ حِيَلٌ مَحْمُودَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلَّهِ وَمُرْضِيَةٌ لَهُ ». إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 188)
ويقول أيضا:« ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبى معبد الخزاعى لأبى سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، وردهم من فورهم.ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعى ليهود بنى قريظة، ولكفار قريش والأحزاب » .
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 387)
ويقول أيضا رحمه الله : « وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] وَقَوْلُهُ: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} [النمل: 50 - 51] فَلَمَّا كَانَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمَعَانِي الْمَذْمُومَةِ ظَنَّ الْمُعَطِّلُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَتُهَا، فَإِذَا أُطْلِقَتْ لِغَيْرِ الذَّمِّ كَانَ مَجَازًا، وَالْحَقُّ خِلَافُ هَذَا الظَّنِّ، وَأَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَضَمِّنًا لِلْكَذِبِ وَالظُّلْمِ فَهُوَ مَذْمُومٌ؟ وَمَا كَانَ مِنْهَا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ وَمُجَازَاةٍ عَلَى الْقَبِيحِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْمُودٌ، فَإِنَّ الْمُخَادِعَ إِذَا خَادَعَ بِبَاطِلٍ وَظُلْمٍ، حَسُنَ مِنَ الْمُجَازِي لَهُ أَنْ يَخْدَعَهُ بِحَقٍّ وَعَدْلٍ، وَذَلِكَ إِذَا مَكَرَ وَاسْتَهْزَأَ ظَالِمًا مُتَعَدِّيًا كَانَ الْمَكْرُ بِهِ وَالِاسْتِهْزَاءُ عَدْلًا حَسَنًا، كَمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَبِي رَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يُعَادِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَادَعُوهُ حَتَّى كُفُوا شَرَّهُ وَأَذَاهُ بِالْقَتْلِ، وَكَانَ هَذَا الْخِدَاعُ وَالْمَكْرُ نُصْرَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ مَا خَدَعَ بِهِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْمُشْرِكِينَ عَامَ الْخَنْدَقِ حَتَّى انْصَرَفُوا، وَكَذَلِكَ خِدَاعُ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ لِامْرَأَتِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» " وَجَزَاءُ الْمُسِيءِ بِمِثْلِ إِسَاءَتِهِ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، مُسْتَحْسَنٌ فِي جَمِيعِ الْعُقُولِ، وَلِهَذَا كَادَ سُبْحَانَهُ لِيُوسُفَ حِينَ أَظْهَرَ لِإِخْوَتِهِ مَا أَبْطَنَ خِلَافَهُ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كَيْدِهِمْ لَهُ مَعَ أَبِيهِ، حَيْثُ أَظْهَرُوا لَهُ أَمْرًا وَأَبْطَنُوا خِلَافَهُ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْدَلِ الْكَيْدِ، فَإِنَّ إِخْوَتَهُ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَخِيهِمْ بِإِظْهَارِ أَنَّهُ سَرَقَ الصُّوَاعَ وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُمْ بِذَلِكَ الْكَيْدِ، حَيْثُ كَانَ مُقَابَلَةً وَمُجَازَاةً، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا ظَالِمًا لِأَخِيهِ الَّذِي لَمْ يَكِدْهُ، بَلْ كَانَ إِحْسَانًا إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنْ كَانَتْ طَرِيقُ ذَلِكَ مُسْتَهْجَنَةً، لَكِنْ لَمَّا ظَهَرَ بِالْآخِرَةِ بَرَاءَتُهُ وَنَزَاهَتُهُ مِمَّا قَذَفَهُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي اتِّصَالِهِ بِيُوسُفَ وَاخْتِصَاصِهِ بِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ». مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 305)
وقال العسكري: «أراد بالحديث أن المماكرة في الحرب أنفع من الطعن والضرب والمثل السائر إذا لم تغلب فاخلب أي اخدع وهذا قاله في غزوة الخندق لما بعث نعيم بن مسعود مخذلا بين قريش وغطفان واليهود ذكره الواقدي وتكون بالتورية واليمين وإخلاف الوعد،
قال النووي: اتفقوا على حل خداع الكفار في الحرب كيف كان حيث لا نقض عهد ولا أمان فينبغي قدح الفكر وإعمال الرأي في الحرب حسب الاستطاعة فإنه فيها أنفع من الشجاعة وهذا الحديث قد عد من الحكم والأمثال ». فيض القدير (3/ 411) .
وقال بدر الدين العيني : « وَالْكذب حرَام بِالْإِجْمَاع جَائِز فِي مَوَاطِن بِالْإِجْمَاع أَصْلهَا الْحَرْب، أذن الله فِيهِ وَفِي أَمْثَاله رفقا بالعباد لضعفهم، وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله أثر، إِنَّمَا هُوَ إِلَى الشَّرْع، وَلَو كَانَ تَحْرِيم الْكَذِب كَمَا يَقُول المبتدعون عقلا، وَيكون التَّحْرِيم صفة نفسية كَمَا يَزْعمُونَ، مَا انْقَلب حَلَالا أبدا، وَالْمَسْأَلَة لَيست معقولة فتستحق جَوَابا، وخفي هَذَا على عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا يجوز فِي المعاريض دون حَقِيقَة الْكَذِب، فَإِنَّهُ لَا يحل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر إِبَاحَة حَقِيقَة الْكَذِب لَكِن الِاقْتِصَار على التَّعْرِيض أفضل، وَقَالَ بعض أهل السّير: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك يَوْم الْأَحْزَاب لنعيم بن مَسْعُود، وَعَن الْمُهلب: الخداع فِي الْحَرْب جَائِز كَيفَ مَا يُمكن إلاَّ بالأيمان والعهود وَالتَّصْرِيح بالأيمان فَلَا يحل شَيْء من ذَلِك ». عمدة القاري شرح صحيح البخاري (14/ 275) .
وقال القسطلاني: « (وسمى) النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (الحرب خدعة) في غزوة الخندق لما بعث نعيم بن مسعود يخذل بين قريش وغطفان واليهود قاله الواقدي، وتكون بالتورية وبالكمين وبخلف الوعد وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرّم، وقال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز ». إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (5/ 155
. ومن الأمور المحكمة أن من كثر سواد المشركين وخرج في جيشهم فيحكم له بحكم الكفر لا محالة كما حدث هذا من العباس في غزوة بدر لما أخرجه المشركون معهم في جيشهم مكثرا لسوادهم وكان مسلما حينئذ لكن حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بحكم الكفر وأسره ولم يتركه إلا بعد أن دفع الفداء . فقد روى البخاري عن ابن عباس : (أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم ، أو يضرب فيقتل ، فنزلت " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ").
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس لما خرج مع المشركين يوم بدر : (أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله).
ومما سبق يتبين لك أنه لا يحل لموحد أن يدخل هذه الجيوش على سبيل الاستدامة والائتمار بأمرهم السنون الطوال وتكثير سوادهم والترقي في مناصبهم فإن هذا من الاستدامة على الكفر مع الإختيار وقد منع الإمام أحمد من ذلك ولو على سبيل الإكراه فكيف في حال الاختيار . لما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ما يشبه هذا عندي الذي أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانـوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاؤوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم.
_________ش

تكفيـــــر المعيـــــن

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


Photo: ‎تكفيـــــر المعيـــــن 
ــــــــــــــــــــــــــــ

- كان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لما أظهر الدعوة للتوحيد لم يستطع علماء السوء الرد عليه في ذلك فألقى الشيطان على ألسنتهم أن يقولوا له نحن نخالفك فقط في التكفير والقتال وبذلك تفسد دعوته من أصلها لأن النهي عن الشرك يعني تكفير المعين وقتاله عند القدرة فإذا قالوا لا تكفر المعين ولو أشرك استوى الموحد والمشرك ولم يعد للتوحيد معنى؛ولذلك ألف كشف الشبهات ومفيد المستفيد وكثير من رسائله الصغيرة والشخصية في الرد على ذلك،وهكذا شيوخه من قبله وطلابه من بعده وهذا بعض كلامهم؛ (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم)

1_ يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة لما تكلم في كفر تارك الصلاة قال:"وفي الحقيقة فكل ردٍ لخبر الله أو أمره فهو كفر دقّ أو جل،لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم وكان أمراً يسيراً في الفروع بخلاف ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر".(اي لاعذر في اصل الدين )
منقول من(البيان الأظهر في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ص10 للإمام عبد الله بن عبد الرحمن ابي بطين الحنبلي)

2_وقال أيضاً في معرض ذمه لأهل الكلام وما يقعون فيه قال:" وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم بُعث بها وكفر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين" (مجموع الفتاوى 4/54)

3_قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مفتي الديار النجدية في زمنه في رسالة رداً على من نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يكفرالمعين وقد نقل النصين السابقين وقال معلقاً عليهما:"وقولك إن الشيخ أبا العباس ابن تيمية يقول: إن من فعل شيئاً من هذه الأمور الشركية لا يطلق عليه أنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر وعبادة غير الله ونحوه من الكفر وإنما قال هذا في المقالات الخفية كما قدمناه من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. فلم يجزم بعدم كفره وإنما قال قد يقال" (رسالة في بيان الشرك وعدم إعذار جاهله وثبوت قيام الحجة عليه للشيخ أبي بطين ص 33)

4_ وقال الشيخ أبوبطين موضحا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يعذر بالجهل أو التأويل في مسائل الشرك:"فقد جزم رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر من فعل ما ذكره من أنواع الشرك وحكى إجماع المسلمين على ذلك ولم يستثن الجاهل ونحوه قال تعالى:< إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء> (النساء 116) وقال عن المسيح <إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار>(المائدة 72) فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط فأخرج الجاهل والمتأول والمقلد فقد شاق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين .والفقهاء يصدرون باب حكم المرتد بمن أشرك ولم يقيدوا ذلك بالمعاند" ( الدرر السنية 10/40 وما بعدها وراجع الإنتصار ص 46 الدرر السنية 9/246).

5_قال محمد بن ابراهيم آل الشيخ
مثبتاً التفريق بين المسائل الظاهرة والخفية في مسألة تكفير المعين:
"إن الذين توقفوا في تكفير المعين هو في الأشياء التي يخفى دليلها فلا يكفّر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أوضحت له الحجة بالبيان الكافي كُفّر سواء فهم أو قال ما فهمت أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد.
وأما ما عُلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به ثم خالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 1/74)

6_ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب فتح المجيد رحمه الله:
"ولا ريب أن الله تعالى لم يعذر أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم بهذا الشرك الأكبر فكيف يعذر أمة كتاب الله بين أيديهم يقرؤونه فهو حجة الله على عباده". (فتاوى الأئمة النجدية 3/226 طبعة ابن خزيمة)

7- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً مبيناً عدم العذر بالخطأ و الشبهة والتأويل في مسائل الشرك: "وكل كافر قد أخطأ والمشركون لا بد لهم من تأويلات ويعتقدون أن شركهم بالصالحين تعظيماً لهم ينفعهم ويدفع عنهم فلم يعذروا بذلك الخطأ ولا بذلك التأويل" ( فتاوى الأئمة النجدية ص3/ 168 الدرر السنية 11/446)

8_ وقال الشيخ محمد بن ابراهيم جواباً على هذا السؤال:"س: يقول بعضهم إن كان مراده كذا فهو كافر؟ قال: مراد هؤلاء أنه لا يكفر إلا المعاند فقط وهذا من أعظم الغلط فإن أقسام المرتدين معروفة؛منهم من ردته عناد وبعضهم لا وفي القرآن يقول الله عز وجل <ويحسبون أنهم مهتدون> (الأعراف 30) وحسبانهم أنهم على شيء لا ينفعهم وهذه شبهة كالشبهة الأخرى وهي عدم تكفير المنتسب إلى الإسلام وتلك الشبهة عدم تكفير المعين وصريح الكتاب والسنة يرد هذا وهذا". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 12/1991 )

9_ قال الشيخ أبابطين أيضا رحمه الله في شرك عباد القبور:
"كل من فعل اليوم ذلك عند المشاهد فهو مشرك كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام أنه لم يوقعه في ذلك إلا الجهل ولو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد وأنه من الشرك الذي حرمه الله لم يقدموا عليه فكفّرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال". (الدرر السنية 10/405)

10_ ويقول أيضاً:"فالجواب عن ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأعظم ماأرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله بل لا بد أن يتناقض فإنه لا يمكن أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين والشاك جاهل". (الدرر السنية 10/391 مجموع الرسائل النجدية 5/476)
______________‎
- كان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لما أظهر الدعوة للتوحيد لم يستطع علماء السوء الرد عليه في ذلك فألقى الشيطان على ألسنتهم أن يقولوا له نحن نخالفك فقط في التكفير والقتال وبذلك تفسد دعوته من أصلها لأن النهي عن الشرك يعني تكفير المعين وقتاله عند القدرة فإذا قالوا لا تكفر المعين ولو أشرك استوى الموحد والمشرك ولم يعد للتوحيد معنى؛ولذلك ألف كشف الشبهات ومفيد المستفيد وكثير من رسائله الصغيرة والشخصية في الرد على ذلك،وهكذا شيوخه من قبله وطلابه من بعده وهذا بعض كلامهم؛ (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم)

1_ يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة لما تكلم في كفر تارك الصلاة قال:"وفي الحقيقة فكل ردٍ لخبر الله أو أمره فهو كفر دقّ أو جل،لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم وكان أمراً يسيراً في الفروع بخلاف ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر".(اي لاعذر في اصل الدين )
منقول من(البيان الأظهر في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ص10 للإمام عبد الله بن عبد الرحمن ابي بطين الحنبلي)

2_وقال أيضاً في معرض ذمه لأهل الكلام وما يقعون فيه قال:" وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم بُعث بها وكفر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين" (مجموع الفتاوى 4/54)

3_قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مفتي الديار النجدية في زمنه في رسالة رداً على من نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يكفرالمعين وقد نقل النصين السابقين وقال معلقاً عليهما:"وقولك إن الشيخ أبا العباس ابن تيمية يقول: إن من فعل شيئاً من هذه الأمور الشركية لا يطلق عليه أنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر وعبادة غير الله ونحوه من الكفر وإنما قال هذا في المقالات الخفية كما قدمناه من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. فلم يجزم بعدم كفره وإنما قال قد يقال" (رسالة في بيان الشرك وعدم إعذار جاهله وثبوت قيام الحجة عليه للشيخ أبي بطين ص 33)

4_ وقال الشيخ أبوبطين موضحا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يعذر بالجهل أو التأويل في مسائل الشرك:"فقد جزم رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر من فعل ما ذكره من أنواع الشرك وحكى إجماع المسلمين على ذلك ولم يستثن الجاهل ونحوه قال تعالى:< إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء> (النساء 116) وقال عن المسيح <إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار>(المائدة 72) فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط فأخرج الجاهل والمتأول والمقلد فقد شاق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين .والفقهاء يصدرون باب حكم المرتد بمن أشرك ولم يقيدوا ذلك بالمعاند" ( الدرر السنية 10/40 وما بعدها وراجع الإنتصار ص 46 الدرر السنية 9/246).

5_قال محمد بن ابراهيم آل الشيخ
مثبتاً التفريق بين المسائل الظاهرة والخفية في مسألة تكفير المعين:
"إن الذين توقفوا في تكفير المعين هو في الأشياء التي يخفى دليلها فلا يكفّر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أوضحت له الحجة بالبيان الكافي كُفّر سواء فهم أو قال ما فهمت أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد.
وأما ما عُلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به ثم خالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 1/74)

6_ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب فتح المجيد رحمه الله:
"ولا ريب أن الله تعالى لم يعذر أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم بهذا الشرك الأكبر فكيف يعذر أمة كتاب الله بين أيديهم يقرؤونه فهو حجة الله على عباده". (فتاوى الأئمة النجدية 3/226 طبعة ابن خزيمة)

7- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً مبيناً عدم العذر بالخطأ و الشبهة والتأويل في مسائل الشرك: "وكل كافر قد أخطأ والمشركون لا بد لهم من تأويلات ويعتقدون أن شركهم بالصالحين تعظيماً لهم ينفعهم ويدفع عنهم فلم يعذروا بذلك الخطأ ولا بذلك التأويل" ( فتاوى الأئمة النجدية ص3/ 168 الدرر السنية 11/446)

8_ وقال الشيخ محمد بن ابراهيم جواباً على هذا السؤال:"س: يقول بعضهم إن كان مراده كذا فهو كافر؟ قال: مراد هؤلاء أنه لا يكفر إلا المعاند فقط وهذا من أعظم الغلط فإن أقسام المرتدين معروفة؛منهم من ردته عناد وبعضهم لا وفي القرآن يقول الله عز وجل <ويحسبون أنهم مهتدون> (الأعراف 30) وحسبانهم أنهم على شيء لا ينفعهم وهذه شبهة كالشبهة الأخرى وهي عدم تكفير المنتسب إلى الإسلام وتلك الشبهة عدم تكفير المعين وصريح الكتاب والسنة يرد هذا وهذا". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 12/1991 )

9_ قال الشيخ أبابطين أيضا رحمه الله في شرك عباد القبور:
"كل من فعل اليوم ذلك عند المشاهد فهو مشرك كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام أنه لم يوقعه في ذلك إلا الجهل ولو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد وأنه من الشرك الذي حرمه الله لم يقدموا عليه فكفّرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال". (الدرر السنية 10/405)

10_ ويقول أيضاً:"فالجواب عن ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأعظم ماأرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله بل لا بد أن يتناقض فإنه لا يمكن أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين والشاك جاهل". (الدرر السنية 10/391 مجموع الرسائل النجدية 5/476)

مســـألة تكفـــير المُعيَّن !!!

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


Photo: ‎مســـألة تكفـــير المُعيَّن !!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *

 فأثبت سبحانه وتعالى إمكانية وقوع الردة من المؤمنين عامة ، وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم من يرتد من المسلمين : (( من بدل دينه فاقتلوه )) ، وهو حكم أوحد لايمكن إيقاعه إلا على معيَّن من الناس ، وإلا فكيف يمكن أن يُقتل جنس من قال كذا أو فعل كذا ؟! هذا قول بيّن البطلان وتعطيل لأحكام الله وحدوده . 

فنذكر ما قاله الأئمة في مسألة تكفير المُعين :
________________________

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : 
( بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم ، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
أما بعد : وصل مكتوبك ، تقرِّر المسألة التي ذكرت ، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته ، ثم ورد منك مراسلة ، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال ، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام .
وعلى أي شيء يدل كلامه ، من أن من عبد الأوثان عبادة ، أكبر من عبادة اللاَّت والعزى ، وسبَّ دين الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما شهد به ، مثل من سبَّ أبي جهل ، أنه لا يكفر بعينه .
بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز ، وصالح ابن عبد الله ، وأمثالهما ، كفراً ظاهراً ينقل عن الملّة ، فضلاً عن غيرهما ، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسل بعد ما أقرَّ به ودان بعبادة الأوثان بعدما أقرَّ بها ……
ولم يبقى عليك إلا رتبة واحدة ، وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحاً بمسبة دين الأنبياء وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما ، ولكن الأمر بيد مقلب القلوب . فأول ما أنصحك به : أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى الله عليه وسلم ينهى عنه أهل مكة ؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه ؟ أم هذا أغلظ ؟ ……
وذكرت : أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحداً ، ولم يُكفِّروه من أهل الملّة .

الأدلة على تكفير المُعيَّن :
______________

ثم قال رحمه الله : أما ذكرت قول الله تعالى : ( لئِن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض )
( الأحزاب : 6 ) إلى قوله : ملعونين أينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِلوا تقتيلاً ( الأحزاب : 61 ) . واذكر قوله : ستجدون ءاخرين يُريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردّوا إلى الفتنة أُركسوا فيها 
( النساء : 91 ) إلى قوله : فخذوهم واقتلوهم … الآية ( النساء : 91 ) . واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء : أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ( آل عمران : 80 ) .
واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، فأي هذين أعظم ؟ تزوج امرأة الأب ؟ أم سب دين الأنبياء بعد معرفته ؟ . 
واذكر أنه قد همّ بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة ، حتى كذَّب الله من نقل ذلك . 
واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهاداً : (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة )) . واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم . 
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردَّتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة . 
واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلاً بقوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( المائدة : 93 ) مع كونه من أهل بدر . وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي ، مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر وردتهم وقتلهم فأحرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء ، فخالفه ابن عباس في الإحراق ، وقال : يُقتلون بالسيف ، مع كونهم من أهل القرن الأول ، أخذوا العلم عن الصحابة . 
واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم ، وأمثاله ، 

قال ابن القيم :

شكر الضحـية كُل صاحب سُـنةٍ لله درك مــن أخـي قـربـان

ولو ذهبنا نُعدِّد من كفَّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردَّته وقتله لطال الكلام ، لكن من آخر ما جرى قصة بني عُبيد ملوك مصر وطائفتهم ، وهم يدَّعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القُضاة والمفتين ، وأجمع العلماء على كُفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب ، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم . 
واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة كيف ذكروا أنواعاً كثيرة موجودة عندكم ، ثم قال منصور : وقد عمَّت البلوى بهذه الفرق ، وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد ، نسأل الله العفو والعافية ، هذا لفظه بحروفه ، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله . 

هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور إن هؤلاء : يكفر أنواعهم لا أعيانهم ؟

وأما عبارة الشيخ : التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفَّرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم ، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة ، فإذا كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه : أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه ، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( الأنعام : 25 ) … 

فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين ، وتأمل تكفيره رؤوسهم ، فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردتهم ردّة صريحة ، وتأمَّل تصريحه بحكاية الإجماع على ردّة الفخر الرازي عن الإسلام ، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة ، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه : أن المعين لا يكفر ؟ ) .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله : 
( بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين إلى الأخ المكرم عبد الله بن شومر سلَّمه الله تعالى وعافاه ووفقه لما يُحبه ويرضاه . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته …… وما سألت عنه من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئاً من المكفرات ؟
فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه كفر . فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كُفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل . 
يُبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتداً كافراً ، ويستفتحون هذا الباب بقولهم من أشرك بالله فقد كفر ، وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل ، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي رحمه الله أن القرآن مخلوق، قال : كفرت بالله العظيم . 
وكلام العلماء في تكفير المعين كثير ، وأعظم أنواع هذا الشرك عبادة غير الله وهو كُفر بإجماع المسلمين ، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، لأن من زنا قيل فلان زان، ومن ربا قيل فلان رابا ) .

ـ وقال أيضاً رحمه الله تعالى : ( نقول في تكفير المعين : ظاهر الآيات والأحاديث وكلام جمهور العلماء يدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره ، ولم تفرق الأدلة بين المُعيَّن وغيره ، 
قال تعالى :
إن الله لا يغفر أن يُشرك به ( النساء : 48 ) ، وقال تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( التوبة : 5 ) ، وهذا عام في كل واحد من المشركين . 
وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون حكم المرتد ، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردّة الشرك ، فقالوا : إن من أشرك بالله كفر ، ولم يستثنوا الجاهل ، ومن زعم أن لله صاحبة أو ولداً كفر ولم يستثنوا الجاهل ومن قذف عائشة كفر ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه كفر إجماعاً لقوله تعالى : لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ( التوبة : 66 ) ويذكرون أنواعاً كثيرة مجمعاً على كفر صاحبها ، ولم يُفرقوا بين المعيَّن وغيره .
ثم يقولون : فمن ارتد عن الإسلام قُتل بعد الاستتابة ، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته ، فالاستتابة بعد الحكم بالردة ، والاستتابة إنما تكون لمعين 

ـ وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى:
--------------------------------------------
( أما كلام شيخ الإسلام ـ أي ابن تيميه ـ في عدم تكفير المُعيَّن ، فالمقصود به في مسائل مخصوصة قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء ، فإن بعض اقوالهم تتضمن أموراً كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً ، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل ، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء ، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية ، أو ما يعلم من الدين بالضرورة ، فهذا لا يتوقف في كفر قائله ) .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله :
-------------------------------------------
( وذكر شيخ الإسلام رحمه الله : أن الفخر الرازي ، صنف : ( السر المكتوم في عبادة النجوم ) فصار مرتداً إلاَّ أن يكون قد تاب بعد ذلك ، فقد كفَّر الرازي بعينه لما زيَّن الشرك …… فانظر إلى هذا الإمام الذي نسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المُعيَّن ، كيف ذكر عن الفخر الرازي وأبي معشر وغيرهما من المصنفين المشهورين أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام ، وتأمل قوله : حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله ، وقد ذكر الفخر الرازي في ردِّهِ على المتكلمين ، وذكر تصنيفه ( السر المكتوم ) ، وقال : فهذه ردّة صريحة باتفاق المسلمين ) .

ـ وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى :
--------------------------------------------
( وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين وأنها ردّة صريحة ، وهو مُعيَّن ، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي وهو رجل مُعيَّن ، وكذلك الجهم بن صفوان ، والجعد ابن درهم ، وكذلك الطوسي نصير الشرك ، والتلمساني ، وابن سبعين ، والفارابي أئمة الملاحدة وأهل الوحدة ، وأبي معشر البلخي ، وغيرهم . وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تكفير المُعيَّن ما يكفي طالب الحق والهدى ) 

ـ وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله : 
-----------------------------------------------------
( فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يُطلق عليه الكفر والشرك بعينه وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به فقال له الرجل لا تطلق عليه الكفر حتى تُعرِّفه ، وكان هذا وأجناسه لا يعبأون بمخالطة المشركين في الأسفار وفي ديارهم بل يطلبون العلم على من هو أكفر الناس من علماء المشركين ، وكانوا قد لفقوا لهم شُبُهات على دعواهم يأتي بعضها في أثناء الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ وقد غزو بها بعض الرعاع من أتباعهم ومن لا معرفة عنده ومن لا يعرف حالهم ولا فرق عنده ولا فهم ، متحيزون عن الإخوان بأجسامهم وعن المشايخ بقلوبهم ومداهنون لهم ، وقد استوحشوا واستوحِش منهم بما أظهروه من الشُبه وبما ظهر عليهم من الكآبة بمخالطة الفسقة والمشركين ، وعند التحقيق لا يكفرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك ، ثم دبت بدعتهم وشبهتهم حتى راجت على من هو من خواص الإخوان وذلك والله أعلم بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها وعدم الخوف من الزيغ .
رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ قدس الله روحه ـ ورسائل بنيه فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشُبه جداً كما سيمر ، ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جداً ولا حول ولا قوة إلا بالله وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة ، فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك ، فانظر ترى واحمد ربك واسأله العافية ، فإن هذا الجواب من بعض أجوبة العراقي التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف ) .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب 
-------------------------------
في مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد : ( وقال أبو العباس أيضاً في الكلام على كفر مانعي الزكاة : والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها ، هذا لم يُعهد عن الخلفاء والصحابة ، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما : ( والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ) فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب ، وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها ، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مُقاتِلَتِهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ، والشهادة على قتلتِهم بالنار وسموهم جميعهم أهل الردّة ، وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله عند قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره فناظَرهم حتى رجعوا إلى قوله ، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة ، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم . انتهى .

فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعيَّن والشهادة عليه إذا قُتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة ، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين . قال رحمه الله بعد ذلك : وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردّة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة ، انتهى كلامه ……

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور : وقد آل الأمر إلى هؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه : ( مناسك المشاهد ) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام ، انتهى .

وهذا الذي ذكره ابن القيم ، رجل من المصنفين يُقال له ابن المفيد ، فقد رأيت ما فيه بعينه ، فكيف ينكر تكفير المعين .
وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير ، فنذكر منه قليلاً من كثير :
وما زال الكلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب .

أما كلام الحنفية :
----------------
فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام ، حتى إنهم يُكفرون المُعيَّن إذا قال مُصيحف أو مُسيجد أو صلى صلاة بلا وضوء ونحو ذلك . 
وقال في النهر الفائق وعلم أن الشيخ قاسماً قال في شرح درر البحار : إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً ياسيدي فلان إن رُدَّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعاً لوجوه ، إلى أن قال : ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر ، إلى أن قال ، وقد ابتلى الناس بذلك لا سيما في مولد أحمد البدوي ، انتهى كلامه . 

فانظر إلى تصريحه إن هذا كفر ، مع قوله أنه يقع من أكثر العوام ، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته . 
وقال القرطبي رحمه الله لما ذكر سماع النقر أو صورته قال : هذا حرام بالإجماع .

وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملّة أن مستحل هذا كافر ، ولما عُلِم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله ، فقد رأيت كلام القرطبي وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير .

وقال أبو العباس رحمه الله : حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال : كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافراً ذكياُ ، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا وهو رجل معيَّن مصنف يتظاهر بالإسلام .

وأما كلام المالكية : 
----------------
في هذا فهو أكثر من أن يُحصر وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس ، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفاً ، ومما ذُكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر ، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه .

وأما كلام الشافعية :
----------------
فقال صاحب الروضة رحمه الله : أن المسلم في الكلام إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر . وقال أيضاً : من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر ، وكل هذا دون ما نحن فيه . وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين على حديث ابن عباس : إذا سألت فاسأل الله ، وما معناه إن من دعا غير الله فهو كافر ، وصنف في هذا النوع كتاباً مستقلاً سماه ( الإعلام بقواطع الإسلام ) ذكر فيه أنواعاً كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يُخرج من الإسلام ويُكفَّر به المُعيَّن ، وغالبه لا يساوي عُشير معشار ما نحن فيه ……
فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقيناً ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام ، كما ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، ومثل همّه بغزو بني المصطلق لمّا قيل أنهم منعوا الزكاة ، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا ( المائدة : 93 ) حل الخمر لبعض الخواص ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه ، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم ، ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه ، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن أتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت ، ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا ، من وقائع لا تُعد ولا تُحصى .
ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقتل بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون ، وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا وهلم جرا ، إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لمّا أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم ولم يتوقفوا فيه وهم زمن ابن الجوزي والموفق ، وصنف ابن الجوزي كتاباً لما أخذت مصر منهم سماه ( النصر على فتح مصر ) . 
ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحداً أنكر شيئاً من ذلك أو استشكل لأجل ادعائهم الملة ، أو لأجل قول لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم إن هذا هو الشرك ، ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله أو ذم التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله إنه لا يكفر ، لأنه يقول لا إله إلا الله أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة ، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام ، هذا لم يُسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين ، فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه ، ولكن الأمر كما قال اليمني في قصيدته :

أقاويـل لا تعزى إلى عالم فـلا تساوي فلسـاً إن رجعت إلى نقـد ) .
ـ وقال الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف والشيخ سليمان بن سحمان عليهم رحمة الله : ( وأما قوله : نقول بأن القول كفر ولا نحكم بكفر القائل ، فإطلاق هذا جهل صرف ، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المُعيَّن ، ومسألة تكفير المُعيَّن مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً ، فيُقال من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن الشخص المُعيَّن إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر بها تاركها ، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك . 
فما قاله أهل الأهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من ردّ أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لردّ بعض النصوص كفراً ولا يُحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه في كثير من كتبه ؛ وذكر أيضاً تكفير أُناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسائل قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله . 
ولا تُجعل هذه الكلمة عكازاً تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة ) . 
____________________________‎
قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *

فأثبت سبحانه وتعالى إمكانية وقوع الردة من المؤمنين عامة ، وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم من يرتد من المسلمين : (( من بدل دينه فاقتلوه )) ، وهو حكم أوحد لايمكن إيقاعه إلا على معيَّن من الناس ، وإلا فكيف يمكن أن يُقتل جنس من قال كذا أو فعل كذا ؟! هذا قول بيّن البطلان وتعطيل لأحكام الله وحدوده . 

فنذكر ما قاله الأئمة في مسألة تكفير المُعين :
________________________

ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : 
( بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم ، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
أما بعد : وصل مكتوبك ، تقرِّر المسألة التي ذكرت ، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته ، ثم ورد منك مراسلة ، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال ، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام .
وعلى أي شيء يدل كلامه ، من أن من عبد الأوثان عبادة ، أكبر من عبادة اللاَّت والعزى ، وسبَّ دين الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما شهد به ، مثل من سبَّ أبي جهل ، أنه لا يكفر بعينه .
بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز ، وصالح ابن عبد الله ، وأمثالهما ، كفراً ظاهراً ينقل عن الملّة ، فضلاً عن غيرهما ، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسل بعد ما أقرَّ به ودان بعبادة الأوثان بعدما أقرَّ بها ……
ولم يبقى عليك إلا رتبة واحدة ، وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحاً بمسبة دين الأنبياء وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما ، ولكن الأمر بيد مقلب القلوب . فأول ما أنصحك به : أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى الله عليه وسلم ينهى عنه أهل مكة ؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه ؟ أم هذا أغلظ ؟ ……
وذكرت : أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحداً ، ولم يُكفِّروه من أهل الملّة .

الأدلة على تكفير المُعيَّن :
______________

ثم قال رحمه الله : أما ذكرت قول الله تعالى : ( لئِن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض )
( الأحزاب : 6 ) إلى قوله : ملعونين أينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِلوا تقتيلاً ( الأحزاب : 61 ) . واذكر قوله : ستجدون ءاخرين يُريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردّوا إلى الفتنة أُركسوا فيها 
( النساء : 91 ) إلى قوله : فخذوهم واقتلوهم … الآية ( النساء : 91 ) . واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء : أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ( آل عمران : 80 ) .
واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، فأي هذين أعظم ؟ تزوج امرأة الأب ؟ أم سب دين الأنبياء بعد معرفته ؟ . 
واذكر أنه قد همّ بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة ، حتى كذَّب الله من نقل ذلك . 
واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهاداً : (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة )) . واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم . 
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردَّتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة . 
واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلاً بقوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( المائدة : 93 ) مع كونه من أهل بدر . وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي ، مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر وردتهم وقتلهم فأحرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء ، فخالفه ابن عباس في الإحراق ، وقال : يُقتلون بالسيف ، مع كونهم من أهل القرن الأول ، أخذوا العلم عن الصحابة . 
واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم ، وأمثاله ، 

قال ابن القيم :

شكر الضحـية كُل صاحب سُـنةٍ لله درك مــن أخـي قـربـان

ولو ذهبنا نُعدِّد من كفَّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردَّته وقتله لطال الكلام ، لكن من آخر ما جرى قصة بني عُبيد ملوك مصر وطائفتهم ، وهم يدَّعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القُضاة والمفتين ، وأجمع العلماء على كُفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب ، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم . 
واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة كيف ذكروا أنواعاً كثيرة موجودة عندكم ، ثم قال منصور : وقد عمَّت البلوى بهذه الفرق ، وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد ، نسأل الله العفو والعافية ، هذا لفظه بحروفه ، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله . 

هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور إن هؤلاء : يكفر أنواعهم لا أعيانهم ؟

وأما عبارة الشيخ : التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفَّرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم ، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة ، فإذا كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه : أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه ، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( الأنعام : 25 ) … 

فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين ، وتأمل تكفيره رؤوسهم ، فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردتهم ردّة صريحة ، وتأمَّل تصريحه بحكاية الإجماع على ردّة الفخر الرازي عن الإسلام ، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة ، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه : أن المعين لا يكفر ؟ ) .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله : 
( بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين إلى الأخ المكرم عبد الله بن شومر سلَّمه الله تعالى وعافاه ووفقه لما يُحبه ويرضاه . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته …… وما سألت عنه من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئاً من المكفرات ؟
فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه كفر . فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كُفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل . 
يُبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتداً كافراً ، ويستفتحون هذا الباب بقولهم من أشرك بالله فقد كفر ، وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل ، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي رحمه الله أن القرآن مخلوق، قال : كفرت بالله العظيم . 
وكلام العلماء في تكفير المعين كثير ، وأعظم أنواع هذا الشرك عبادة غير الله وهو كُفر بإجماع المسلمين ، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، لأن من زنا قيل فلان زان، ومن ربا قيل فلان رابا ) .

ـ وقال أيضاً رحمه الله تعالى : ( نقول في تكفير المعين : ظاهر الآيات والأحاديث وكلام جمهور العلماء يدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره ، ولم تفرق الأدلة بين المُعيَّن وغيره ، 
قال تعالى :
إن الله لا يغفر أن يُشرك به ( النساء : 48 ) ، وقال تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( التوبة : 5 ) ، وهذا عام في كل واحد من المشركين . 
وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون حكم المرتد ، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردّة الشرك ، فقالوا : إن من أشرك بالله كفر ، ولم يستثنوا الجاهل ، ومن زعم أن لله صاحبة أو ولداً كفر ولم يستثنوا الجاهل ومن قذف عائشة كفر ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه كفر إجماعاً لقوله تعالى : لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ( التوبة : 66 ) ويذكرون أنواعاً كثيرة مجمعاً على كفر صاحبها ، ولم يُفرقوا بين المعيَّن وغيره .
ثم يقولون : فمن ارتد عن الإسلام قُتل بعد الاستتابة ، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته ، فالاستتابة بعد الحكم بالردة ، والاستتابة إنما تكون لمعين 

ـ وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى:
--------------------------------------------
( أما كلام شيخ الإسلام ـ أي ابن تيميه ـ في عدم تكفير المُعيَّن ، فالمقصود به في مسائل مخصوصة قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء ، فإن بعض اقوالهم تتضمن أموراً كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً ، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل ، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء ، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية ، أو ما يعلم من الدين بالضرورة ، فهذا لا يتوقف في كفر قائله ) .

ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله :
-------------------------------------------
( وذكر شيخ الإسلام رحمه الله : أن الفخر الرازي ، صنف : ( السر المكتوم في عبادة النجوم ) فصار مرتداً إلاَّ أن يكون قد تاب بعد ذلك ، فقد كفَّر الرازي بعينه لما زيَّن الشرك …… فانظر إلى هذا الإمام الذي نسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المُعيَّن ، كيف ذكر عن الفخر الرازي وأبي معشر وغيرهما من المصنفين المشهورين أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام ، وتأمل قوله : حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله ، وقد ذكر الفخر الرازي في ردِّهِ على المتكلمين ، وذكر تصنيفه ( السر المكتوم ) ، وقال : فهذه ردّة صريحة باتفاق المسلمين ) .

ـ وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى :
--------------------------------------------
( وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين وأنها ردّة صريحة ، وهو مُعيَّن ، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي وهو رجل مُعيَّن ، وكذلك الجهم بن صفوان ، والجعد ابن درهم ، وكذلك الطوسي نصير الشرك ، والتلمساني ، وابن سبعين ، والفارابي أئمة الملاحدة وأهل الوحدة ، وأبي معشر البلخي ، وغيرهم . وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تكفير المُعيَّن ما يكفي طالب الحق والهدى ) 

ـ وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله : 
-----------------------------------------------------
( فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يُطلق عليه الكفر والشرك بعينه وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به فقال له الرجل لا تطلق عليه الكفر حتى تُعرِّفه ، وكان هذا وأجناسه لا يعبأون بمخالطة المشركين في الأسفار وفي ديارهم بل يطلبون العلم على من هو أكفر الناس من علماء المشركين ، وكانوا قد لفقوا لهم شُبُهات على دعواهم يأتي بعضها في أثناء الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ وقد غزو بها بعض الرعاع من أتباعهم ومن لا معرفة عنده ومن لا يعرف حالهم ولا فرق عنده ولا فهم ، متحيزون عن الإخوان بأجسامهم وعن المشايخ بقلوبهم ومداهنون لهم ، وقد استوحشوا واستوحِش منهم بما أظهروه من الشُبه وبما ظهر عليهم من الكآبة بمخالطة الفسقة والمشركين ، وعند التحقيق لا يكفرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك ، ثم دبت بدعتهم وشبهتهم حتى راجت على من هو من خواص الإخوان وذلك والله أعلم بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها وعدم الخوف من الزيغ .
رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ قدس الله روحه ـ ورسائل بنيه فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشُبه جداً كما سيمر ، ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جداً ولا حول ولا قوة إلا بالله وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة ، فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك ، فانظر ترى واحمد ربك واسأله العافية ، فإن هذا الجواب من بعض أجوبة العراقي التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف ) .

ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب 
-------------------------------
في مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد : ( وقال أبو العباس أيضاً في الكلام على كفر مانعي الزكاة : والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها ، هذا لم يُعهد عن الخلفاء والصحابة ، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما : ( والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ) فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب ، وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها ، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مُقاتِلَتِهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ، والشهادة على قتلتِهم بالنار وسموهم جميعهم أهل الردّة ، وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله عند قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره فناظَرهم حتى رجعوا إلى قوله ، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة ، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم . انتهى .

فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعيَّن والشهادة عليه إذا قُتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة ، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين . قال رحمه الله بعد ذلك : وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردّة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة ، انتهى كلامه ……

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور : وقد آل الأمر إلى هؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه : ( مناسك المشاهد ) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام ، انتهى .

وهذا الذي ذكره ابن القيم ، رجل من المصنفين يُقال له ابن المفيد ، فقد رأيت ما فيه بعينه ، فكيف ينكر تكفير المعين .
وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير ، فنذكر منه قليلاً من كثير :
وما زال الكلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب .

أما كلام الحنفية :
----------------
فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام ، حتى إنهم يُكفرون المُعيَّن إذا قال مُصيحف أو مُسيجد أو صلى صلاة بلا وضوء ونحو ذلك . 
وقال في النهر الفائق وعلم أن الشيخ قاسماً قال في شرح درر البحار : إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً ياسيدي فلان إن رُدَّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعاً لوجوه ، إلى أن قال : ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر ، إلى أن قال ، وقد ابتلى الناس بذلك لا سيما في مولد أحمد البدوي ، انتهى كلامه . 

فانظر إلى تصريحه إن هذا كفر ، مع قوله أنه يقع من أكثر العوام ، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته . 
وقال القرطبي رحمه الله لما ذكر سماع النقر أو صورته قال : هذا حرام بالإجماع .

وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملّة أن مستحل هذا كافر ، ولما عُلِم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله ، فقد رأيت كلام القرطبي وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير .

وقال أبو العباس رحمه الله : حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال : كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافراً ذكياُ ، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا وهو رجل معيَّن مصنف يتظاهر بالإسلام .

وأما كلام المالكية : 
----------------
في هذا فهو أكثر من أن يُحصر وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس ، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفاً ، ومما ذُكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر ، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه .

وأما كلام الشافعية :
----------------
فقال صاحب الروضة رحمه الله : أن المسلم في الكلام إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر . وقال أيضاً : من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر ، وكل هذا دون ما نحن فيه . وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين على حديث ابن عباس : إذا سألت فاسأل الله ، وما معناه إن من دعا غير الله فهو كافر ، وصنف في هذا النوع كتاباً مستقلاً سماه ( الإعلام بقواطع الإسلام ) ذكر فيه أنواعاً كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يُخرج من الإسلام ويُكفَّر به المُعيَّن ، وغالبه لا يساوي عُشير معشار ما نحن فيه ……
فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقيناً ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام ، كما ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، ومثل همّه بغزو بني المصطلق لمّا قيل أنهم منعوا الزكاة ، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا ( المائدة : 93 ) حل الخمر لبعض الخواص ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه ، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم ، ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه ، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن أتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت ، ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا ، من وقائع لا تُعد ولا تُحصى .
ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقتل بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون ، وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا وهلم جرا ، إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لمّا أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم ولم يتوقفوا فيه وهم زمن ابن الجوزي والموفق ، وصنف ابن الجوزي كتاباً لما أخذت مصر منهم سماه ( النصر على فتح مصر ) . 
ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحداً أنكر شيئاً من ذلك أو استشكل لأجل ادعائهم الملة ، أو لأجل قول لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم إن هذا هو الشرك ، ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله أو ذم التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله إنه لا يكفر ، لأنه يقول لا إله إلا الله أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة ، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام ، هذا لم يُسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين ، فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه ، ولكن الأمر كما قال اليمني في قصيدته :

أقاويـل لا تعزى إلى عالم فـلا تساوي فلسـاً إن رجعت إلى نقـد ) .
ـ وقال الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف والشيخ سليمان بن سحمان عليهم رحمة الله : ( وأما قوله : نقول بأن القول كفر ولا نحكم بكفر القائل ، فإطلاق هذا جهل صرف ، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المُعيَّن ، ومسألة تكفير المُعيَّن مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً ، فيُقال من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن الشخص المُعيَّن إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر بها تاركها ، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك . 
فما قاله أهل الأهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من ردّ أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لردّ بعض النصوص كفراً ولا يُحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه في كثير من كتبه ؛ وذكر أيضاً تكفير أُناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسائل قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله . 
ولا تُجعل هذه الكلمة عكازاً تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة ) . 
____________________________

تابعني

مواضيع أخري

Translate

الأكثر قرائة

أخر المواضيع

الأرشيف

مقطع مميز

صفحة جوجل بلس

تابعنا

متابعون بلوجر