ملة إبراهيم

حقائق

الإيمان بالله والكفر بالطاغوت

مقالات

شبهات وردود

قضايا الامة

رسائل في أحكام الديار

الجهمية المعاصرة

فيديو

منهاج السنة

لازم المذهب

بواسطة مدونة الخلافة يوم الخميس، 5 يونيو، 2014 |



معني لازم المذهب / أي ما يقتضيه مذهبه
فإذا قال عالم قولا وذهب إلى رأي من الآراء وكان مقتضى كلامه ورأيه - هذا الذي ذهب إليه - أمرا آخر أيضا، فهل نلزمه بأن مقتضى كلامه مذهبا له؟ وهل نحاسبه عليه أم لا؟

اختلف اهل العلم في هذا فمنهم من قال ان لازم المذهب مذهب

ومنهم من قال ان كان لازم المذهب قريبآ فهو مذهب وان كان بعيدآ فليس بمذهب

ومنهم من فرق بين الاصول والفروع والظاهر والخفي

ومنهم من قال ، أنّ لازمَ المذهبِ إن صرَّح به صاحبُهُ، أو أشار إليه، أو التزمه أو عُلم من حاله أنّه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره؛ فهو مذهبٌ له.

فإن كان لازمُ قوله حقا، فإنّه يضاف إليه؛ لأنّ لازمَ الحقِّ حقٌّ، وكذلك لازمُ الباطل باطلٌ؛ ذلك لأنّ لوازمَ الأقوالِ من جُملة الأدلّة في الحكم على صحّتها أو فسادها، حيث يُستَدَلُّ بصحّة اللازم على صحّة الملزوم، وبفساد اللازم على فساد الملزوم. لذلك كان اللاّزم من قول الله تعالى وقولِ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يثبت ويحكم به؛ لأنّ كلامَ الله ورسولِه حقٌّ، ولازمُ الحقِّ حقٌّ؛ ولأنّ الله تعالى عالِمٌ بما يكون لازمًا من كلامه وكلامِ رسوله صَلَّ اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيكون مراداً
_______________

يقول ابن تيميه رحمه الله: لازم قول الإنسان نوعان:

أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.

والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول، لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله
(القواعد النورانية) (ص: 129،128)، وانظر: (مجموع الفتاوى)

وقال الشاطبي: (ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضاً أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار) (الاعتصام) (2/549). .

وأورد السخاوي مقالة شيخه ابن حجر حيث قال: (والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه.. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً)
_____________

وهناك من فرق بين بعض الحالات

فقالوا ان أن اللازم من قول الله تعالى, وقول رسوله صلى الله عليه وسلم إذا صح أن يكون لازماً فهو حق، يثبت ويحكم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق؛ ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازماً من كلامه وكلام رسوله، فيكون مراداً .
وكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقاً للكتاب والسنة فيكون حقاً، ولازمه حقاً، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة فيكون باطلاً ولازمه باطلاً .

ثانياً: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات انظر: ((القواعد النورانية)) (ص: 128، 129) و((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (20/217، 35/288)، و((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 237، 238)،

الحالة الأولى: أن يذكر له لازم قوله فليتزمه، مثل أن يقول لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المثبت: نعم التزم به، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله تعالى على كل شيء قدير، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة, والبرودة, والإضاءة, ونحو ذلك من الأعراض.
وهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه.

الحالة الثانية: أن يذكر له لازم قوله، فيمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول نافي الصفات لمن يثبتها، يلزمك أن يكون الله تعالى مشابهاً للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق سبحانه قطعنا توهم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتاً لله تعالى وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في الصفات إذ لا فرق بينهما.
وهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه.

الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع، فهذا حكمه أن لا ينسب إليه، لأنه إذا ذكر له اللازم: فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعاً.
_______________________

فيتبين مماسبق ان الاختلاف على أربعة أقوال :

الأول : أنه ليس مذهب

قال الشاطبي في الاعتصام :
ولازم المذهب : هل هو مذهب أو لا ؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول . والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون و المغربيون ويرون أنه رأى المحققين أيضاً : أن لازم المذهب ليس بمذهب إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار)
ـــــــــــــ

الثاني : أن لازم المذهب مذهب وهو قول الأثرم والخرقي
انظر الفتاوى (35/289) ، والتخريج د يعقوب ص 290
ـــــــــــــــــــ

الثالث : إن لازم المذهب إن كان قريباً فهو مذهب ، وإن كان بعيداً فليس مذهباً
وقال الكوثري فيما نقله عنه السقاف في شرح العقيدة الطحاوية ص364
" وهذا الاستلزام بين وما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إنما هو فيما إذا كان اللزوم غير بين ، فاللازم البين لمذهب العاقل مذهب له ، وأما من يقول بملزوم مع نفيه للازمه البين فلا يُعَدُّ هذا اللازم مذهباً له لكن يسقطه هذا النفي من مرتبة العقلاء إلى درك الأنعام وهذا هو التحقيق في لازم المذهب ……."
____________

الرابع : التفصيل وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في الفتاوى ( 29/42) : لازم قول الإنسان نوعان :
1/ لازم القول الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه
2/ لازم القول الذي ليس بحق: فهذا لا يجب التزامه فلا ينسب إليه.

________________________

أهمية وأسباب ذكر لازم المذهب

ذكر اللوازم الباطلة – لاسيما عند المناظرة – لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)، لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة، فقد ينتبه ويرجع عن قوله.

وأهل البدع – لاضطرابهم وتناقضهم – قد يفر الواحد منهم من اللازم الحق ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة: كالقدري يفر من لازم كون الله يضل من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في ملكه ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يفر من التشبيه – بزعمه – فيقع في التعطيل، والذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل فلا يعرف إلها موجوداً معبوداً!
_____

والله أعلم

الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمن

بواسطة مدونة الخلافة يوم |

يقول الفقيه الكاساني في كتابه " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمنا ثلاثة : نص ، ودلالة ، وتبعية .أما النص فهو أن يأتي بالشهادة ، أو بالشهادتين ، أو يأتي بهما مع التبرؤ مما هو عليه صريحا .وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة : صنف منهم ينكرون الصانع أصلا ، وهم الدهرية المعطلة ، وصنف منهم يقرون بالصانع وينكرون توحيده ، وهم الوثنية والمجوس ، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده وينكرون الرسالة رأسا ، وهم قوم من الفلاسفة ، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة ، لكنهم ينكرون رسالة نبينا محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وهم اليهود والنصارى ، فإن كان من الصنف الأول والثاني ، فقال : لا إله إلا الله يحكم بإسلامه ; لأن هؤلاء يمتنعون عن الشهادة أصلا . فإذا أقروا بها كان ذلك دليل إيمانهم وكذلك إذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله ; لأنهم يمتنعون من كل واحدة من كلمتي الشهادة ، فكان الإتيان بواحد منهما - أيتهما كانت - دلالة الإيمان ، وإن كان من الصنف الثالث فقال : لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه ; لأن منكر الرسالة لا يمتنع عن هذه المقالة ، ولو قال : أشهد أن محمدا رسول الله يحكم بإسلامه ; لأنه يمتنع عن هذه الشهادة ، فكان الإقرار بها دليل الإيمان .وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشهادتين فقال : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ من الدين الذي عليه ; من اليهودية أو النصرانية ; لأن من هؤلاء من يقر برسالة رسول الله ; صلى الله عليه وسلم لكنه يقول : إنه بعث إلى العرب خاصة دون غيرهم فلا يكون إتيانه بالشهادتين بدون التبرؤ دليلا على إيمانه ، وكذا إذا قال يهودي أو نصراني : أنا مؤمن أو مسلم أو قال : آمنت أو : أسلمت لا يحكم بإسلامه ; لأنهم يدعون أنهم مؤمنون ومسلمون , والإيمان والإسلام هو الذي هم عليه وروى الحسن عن أبي حنيفة - أنه قال : إذا قال اليهودي أو النصراني : أنا مسلم أو قال : أسلمت سئل عن ذلك أي شيء أردت به إن قال : أردت به ترك اليهودية ، أو النصرانية ، والدخول في دين الإسلام يحكم بإسلامه ، حتى لو رجع عن ذلك كان مرتدا وإن قال : أردت بقولي : أسلمت أني على الحق ، ولم أرد بذلك الرجوع عن ديني لم يحكم بإسلامه ولو قال يهودي أو نصراني : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأتبرأ عن اليهودية ، أو النصرانية لا يحكم بإسلامه ; لأنهم لا يمتنعون عن كلمة التوحيد ، والتبرؤ عن اليهودية والنصرانية ، لا يكون دليل الدخول في دين الإسلام لاحتمال أنه تبرأ عن ذلك ، ودخل في دين آخر سوى دين الإسلام ، فلا يصلح التبرؤ دليل الإيمان مع الاحتمال ، ولو أقر مع ذلك فقال : دخلت في دين الإسلام أو في دين محمد صلى الله عليه وسلم حكم بالإسلام ; لزوال الاحتمال بهذه القرينة والله - سبحانه وتعالى - أعلم . "
(بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع/ فصل في بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال .)
___________________

أقول : أنظر بالله عليك ما أدق هذا الكلام . قوله : " أما النص فهو أن يأتي بالشهادة ، أو بالشهادتين ، أو يأتي بهما مع التبرؤ مما هو عليه صريحا" ألا يدل هذا الكلام دلالة صريحة على أن هناك حالات لا ينفع بها الإتيان بالشهادة أو الشهادتين ؟ وأن التبرؤ مع الإحتمال لا يصلح دليلا على التبرؤ ؟ وهذا واضح في قوله : " فلا يصلح التبرؤ دليل الإيمان مع الاحتمال " لهذا أقول : إن أكثر الناس اليوم الذين يعيشون في الدول العربية أو بما يسمى بالدول الإسلامية ليس كفرهم بعدم إتيانهم الشهادة أو الشهادتين ، أو عدم قبولهم للإسلام أو بعدم أدائهم بعض الشعائر التعبدية بل أكثرهم مشركون وقعوا بشرك التشريع والولاء للطواغيت وقسم منهم وقع بشرك القبور ومع هذا فهم يقرون بالشهادة أو الشهادتين عن غير علم بمعناهما وما يقتضي الإقرار بهما ويعتزون بانتسابهم للإسلام ويحرصون على أداء الشعائر التعبدية ويدافعون عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والتسليم دفاعاً كبيراً . ومع ذلك يفعلون كثيراً من أنواع الشرك الأكبر ولم يحققوا الركن الأول لدخول الإسلام وهو الكفر بالطاغوت . لهذا لا يجوز اعتبار مجرد قولهم بالشهادة أو الشهادتين أو أداءهم بعض الشعائر التعبدية أو انتسابهم للإسلام أو دفاعهم عن رسول الإسلام علامة قطعية على دخولهم الإسلام الذي يريده الله ، حتى يتبرؤا وبشكل صريح واضح لا يحتمل مما هو منتشر في مجتمعهم من الشرك الأكبر الذي وقع فيه أكثرهم . وهذا معنى قوله : " لأنهم لا يمتنعون عن كلمة التوحيد " وهناك كلام كثير مثل هذا الكلام لعلماء الإسلام ولولا خشية الإطالة لذكرت بعضها .انظر لكتاب السير الكبير- للشيباني- بشرح الإمام محمد السرخسي / ج 1 في باب الإسلام ص 153/155 ) ، وانتبه لقوله : " فأما اليهود ببلاد العراق فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم يزعمون أنه رسول إلى العرب لا إلى بنى إسرائيل ، ويتمسكون بظاهر قوله تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) ، فمن يقر منهم بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون مسلماً حتى يتبرأ من دينه مع ذلك، أو يقر بأنه دخل في الإسلام " وانظر لتوضيح الإمام ابن قدامه المقدسي لكلام الإمام الخرقي في كتابه المغني ج 8 حكم المرتد .وانتبه لقوله : " فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر .. ) (المغنى/ ج 8 حكم المرتد) .وانظر لكلام الإمام ابن حجر في فتح الباريء شرح صحيح البخاري 12|247
وأنظر لما نقله الشوكاني عن البغوي في نيل الأوطارج9 وركز على قوله :" فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم ، فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده " يعني لا يكفي تلفظه بالشهادة أو الشهادتين أو أداءه أي شعيرة من شعائر الإسلام .كل هذا الكلام للعلماء يدل على أن مدخل الشخص للإسلام يختلف باختلاف سبب كفره والحال التي هو عليها ولأن الشرك الذي وقع فيه أكثر الناس اليوم هو شرك التشريع ،شرك التحاكم لغير شرع الله ، شرك مولاة الطواغيت وأتباعهم ، وهناك في بعض المناطق بالإضافة لهذه الأنواع من الشرك انتشار لشرك القبور وهو غالب، لهذا يجب التأكد قبل الحكم بالإسلام على من يعيش في هذه المجتمعات من براءته من هذه الأنواع من الشرك وكذلك براءته من فاعليها ، ولا عبرة بتلفظه بالشهادتين أو أدائه بعض الشعائر التعبدية لأن أكثرهم يقوم بهذه أو أكثر مع تلبسه بالشرك المنتشر في مجتمعه ، والمشرك قد يعبد الله وحده في بعض الدين . لهذا فهذه الدلالات المشتركة بين المسلم والمشرك ليست دلالات كافية على دخول الشخص للإسلام .لأن القرائن المحتملة ليست دليلاً كما قال الإمام الكساني " فلا يصلح التبرؤ دليل الإيمان مع الاحتمال "

الدَّلائل في حكم موالاة أهل الإشراك

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمّد بن عبدالوهَّاب. ت:1233هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال في "الدَّلائل في حكم موالاة أهل الإشراك":

((اعلم رحمك الله : أنَّ الإنسان إِذا أَظهر للمشركين الموافقة على دينهم : خوفاً منهم ومداراةً لهم ، ومداهنةً لدفع شرِّهم . فإِنَّه كافرٌ مثلهم وإنْ كان يكره دينَهم ويبغضهم ، ويحبُّ الإسلام والمسلمين … ولا يستثنى من ذلك إلاَّ المُكرَه ،وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له : اكْفُرْ أو افْعَلْ كذا وإلاَّ فعلنا بك وقتلناك . أو يأخذونَه فيعذِّبونه حتى يوافقهم . فيجوز له الموافقة باللِّسان ، مع طُمأنينة القلب بالإيمان . وقد أجمع العلماء على أَنَّ من تكلَّم بالكفر هازِلاً أَنَّه يكفر . فكيف بمن أظهر الكفرَ خوفاً وطمعاً في الدُّنيا ؟…! وكثيرٌ من أهلِ الباطلِ إِنَّما يتركون الحقَّ خوفاً من زوال دنياهم . وإلاَّ فيعرفون الحقَّ ويعتقدونه ولم يكونوا بذلك مسلمين.

قوله تعالى : (وَقَدْ نَزَّل عَليْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم)

فذكر تبارك وتعالى أَنَّه نزَّل على المؤمنين في الكتاب : أَنَّهم إذا سمعوا آياتِ الله يُكْفَر بها ، ويُسْتَهْزَأُ بها فلا يقعدوا معهم ، حتى يخوضوا في حديثٍ غيره . وأَنَّ من جلس مع الكافرين بآياتِ الله ، المستهزئين بها في حالِ كفرهم واستهزائهم فهو مثلُهم ولم يفرِّق بين الخائف وغيره . إلاَّ المٌكْرَه .

هذا وهم في بلد واحدٍ في أوَّل الإسلام . فكيف بمن كان في سَعَة الإسلام وعزِّه وبلاده ، فدعا الكافرين بآياتِ الله المستهزئين بها إلى بلادِه، واتَّخذهم أولياءً وأصحاباً وجلساءً وسمع كفرَهم واستهزاءَهم وأقرَّهم . وطرَدَ أهل التوحيد وأبعدَهم؟..!

…قوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

فحكم تعالى حُكماً لا يبدَّل أنَّ من رجع عن دينِه إلى الكفر، فهو كافرٌ . سواءً كان له عذرٌ : خوفٌ على نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ أم لا . وسواءً كفر بباطنه وظاهره ، أمْ بظاهره دون باطنه. وسواءً كفر بفعاله ومقاله ، أم بأحدِهما دون الآخر.

وسواءً كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أمْ لا… فهو كافرٌ على كلِّ حالٍ ، إلا المُكرَه . وهو في لغتنا : المغصوب…

ثمَّ أخبر تعالى أنَّ على هؤلاء المرتدِّين ، الشَّارحين صدورَهم بالكفر وإنْ كانوا يقطعون على الحقِّ ، ويقولون ما فعلنا هذا إلاَّ خوفاً ، فعليهم غضبٌ من الله ، ولهم عذابٌ عظيمٌ ثم أخبر تعالى أَنَّ سبب هذا الكفر والعذاب ليس بسبب الاعتقادِ للشِّرك أو الجهل بالتَّوحيد ، أو البغض للدِّين أو محبَّة للكفر ، وإِنَّما سببه : أنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا فآثره على الدِّين وعلى رضى ربِّ العالمين . فقال : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

فكفَّرهم تعالى ، وأخبر أَنَّه لا يهديهم مع كونهم يعتذرونَ بمحبَّة الدُّنيا. ثم أخبر تعالى أنَّ هؤلاء المرتدِّين لأجل استحباب الدُّنيا على الآخرة هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، وأنَّهم الغافلون . ثم أخبر خبراً مؤكَّداً محقَّقاً أَنَّهم في الآخرة هم الخاسرون.

وهكذا حال هؤلاء المرتدِّين في هذه الفتنة ، غرَّهُم الشيطان وأَوهمَهم أَنَّ الخوف عذرٌ لهم في الرِّدَّة ، وأَنَّهم بمعرفة الحق ومحبَّته والشَّهادة به لا يضرُّهم ما فعلوه . ونَسَوا أَنَّ كثيراً من المشركين يعرفون الحقَّ ، ويحبُّونه ويشهدون به ولكنْ يتركون متابعتَه والعملَ به : محبَّة للدُّنيا وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرِّياسات . ثم قال تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّل اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ)

( فأخبر تعالى أنَّ سبب ماجرى عليهم من الرِّدَّة وتسويل الشيطان ، والإملاء لهم ، هو قولهم للذين كرهوا ما نزَّل الله : سنطيعكم في بعض الأمر.

فإذا كان مَنْ وَعَد المشركين الكارهين لما نزَّل الله بطاعتِهم في بعض الأمر كافراً ، وإنْ لم يفعل ما وعدَهُم به . فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزَّل الله من الأمر : بعبادته وحدَه لا شريك له …

وقد قال تعالى في موضعٍ آخر : (يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)

ففي هاتين الآيتين البيان الواضح : أَنَّه لا عذرَ لأحدٍ في الموافقة على الكفر ، خوفاً على الأموال والآباء ، والأبناء والأزواجِ والعشـائر ، ونحـو ذلك مما يعتذر به كثيـرٌ من النَّاس.

إذا كان لم يرخِّص لأحد في موادَّتهم ، واتخاذهم أولياء بأنفسهم : خوفاً منهم وإيثاراً لمرضاتهم . فكيف بمن اتَّخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً ، وأظهر لهم الموافقة على دينهم ، خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبَّةً لها ؟! ومن العجب استحسانهم لذلك واستحلالهم له . فجمعوا مع الرِّدَّة استحلالَ المحرَّم ).اهـ

وقال في "تيسير العزيز الحميد":
_______________________

(( من استهزأ بالله ، أو بكتابه أو برسوله ، أو بدينه ، كفرَ ولو هازِلاً لم يقصِد حقيقةَ الاستهزاء ؛ إجماعاً .

قال : وقول الله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)

الشرح : يقول تعالى مخاطباً لرسوله، وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ( أي سألت المنافقين الَّذين تكلَّموا بكلمة الكفر استهزاءً (ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ( أي : يعتذِرونَ بأَنَّهم لم يقصدوا الاستهزاء والتَّكذيب ، إِنَّما قصدوا الخوضَ في الحديث واللَّعِب : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)لم يعبأ باعتذارهم إِمَّا لأَنَّهم كانوا كاذبين فيه ، وإِمَّا لأَنَّ الاستهزاء على وجه الخوضِ واللَّعِب لا يكون صاحبُه معذوراً ، وعلى التقديرين فهذا عذرٌ باطلٌ ، فإِنَّهم أخطئوا موقعَ الاستهزاء . وهل يجتمع الإيمان بالله ، وكتابه، ورسوله ، والاستهزاءُ بذلك في قلب ؟ ! بل ذلك عينُ الكفرِ فلذلك كان الجواب مع ما قبله (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)

قال شيخ الإسلام : فقد أمره أنْ يقول : كفرتم بعد إيمانِكم . وقول من يقول : إنَّهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانِهم مع كفرهم أوَّلاً بقلوبهم لا يصحُّ ، لأنَّ الإيمان باللِّسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر . فلا يقال : قد كفرتم بعد إيمانِكم فإِنَّهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر ، وإنْ أُرِيد : إِنَّكم أظهرتُمُ الكفرَ بعد إظهارِكم الإيمان ، فهم لم يُظهروا ذلك إلاَّ لخوضهم ، وهم مع خوضهم مازالوا هكذا ، بل لما نافقوا وحذِروا أنْ تنـزِل عليهم سورَةٌ تبيِّنُ ما في قلوبِهم من النِّفاق وتكلَّموا بالاستهزاءِ ، أي : صاروا كافرين بعد إيمانهم . ولا يدلُّ اللفظ على أَنَّهم مازالوا منافقين إلى أَنْ قال تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)

فاعْتَرَفوا ولهذا قيل: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً)

فدلَّ على أَنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أَتَوا كُفْراً ، بل ظنُّوا أَنَّ ذلك ليس بكفرٍ. فتبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله ورسولِه كفرٌ يكفرُ به صاحبُه بعدَ إيمانِه ، فدلَّ على أَنَّه كان عندهم إيمانٌ ضعيفٌ ، ففعلوا هذا المحرَّم الَّذي عرفوا أنَّه محرَّم. ولكنْ لم يظنُّوه كفراً وكان كفراً كفروا به ، فإِنَّهم لم يعتقدوا جوازه) اهـ

الاختلاف بين الأُمّة علي ضربين

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


قال منصور بن محمّد السمعانى (489ﻫ) فى "قواطع الأدلَّة"
_________________________

"إنَّ الإختلاف بين الأمَّة على ضربين، إختلاف يوجب البراءة ويوقع الفرقة ويرفع الألفة، وإختلاف لا يوجب البراءة ولايرفع الألفة،

فالأوّل كالإختلاف فى التَّوحيد.

قال: من خالف أصله كان كافراً وعلى المسلمين مفارقته والتبرُّؤ منه وذلك لأنَّ أدلَّة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة قد طبقت العالم، وعمَّ وجودها فى كلِّ مصنوع فلم يعذر أحدٌ بالذهاب عنها، وكذلك الأمر فى النُّبوة لقوَّة براهينها، وكثرة الأدلَّة الباهرة الدالَّة عليها، وكذلك كلُّ ما كان من أصول الدِّين، فالأدلَّة عليها ظاهرة باهرة، والمخالف فيه معاند مكابر، والقول بتضليله واجب، والبراءة منه شرع، ولهذا قال إبن عمر حين قيل له: إنَّ قوماً يقولون: لا قدر، فقال: بلِّغوهم أنَّ ابن عمر برئٌ منهم و أنَّهم منِّى براء.

قال: "والضّرب الآخر من الإختلاف لايُزيل الألفة، ولايُوجب الوحشة، ولا يُوجب البراءة، ولايقطع موافقة الإسلام، وهو الإختلاف الواقع فى النَّوازل الَّتى عدُمت فيها النّصوص فى الفروع، وغمضت فيها الأدلَّة فيُرجع فى معرفة أحكامها إلى الإجتهاد". اهـ
______________________

فمسائلُ الدِّين التي قد يختلفُ فيها النَّاسُ، ويجتهدُون فيها، على ثلاثة أقسام:

(أوّلها) هو التَّوحيد وغيرهُ من أصُولِ الإيمان، ومن زعم أنَّهُ قد اجتهد في معرفتها وبذل فيها وسعهُ، وعجز عن إدراكها، وضلَّ عن الإيمان بها، فليس بمعذور، وهو كافرٌ في الدُّنيا، إمَّا كافرٌ جاهلٌ، وإمَّا كافرٌ مُعاندٌ.

(الثاني) ما كان فيها نصُوص قطعيّة، ولكنّها من المقالات الخفيّة، الّتي قد يجهلها بعضُ النَّاس، أو يضلُّون عنها بتأويلٍ فاسدٍ. ومن زعم أنَّهُ قد اجتهد في معرفتها، وبذل فيها وسعهُ، وعجز عن إدراكها، فهو معذورٌ قبل البيان وإقامة الحُجَّة، أمَّا بعدها فليس بمعذور، وهو كافرٌ مُكذّبٌ بالحقِّ.

(الثالث) وهو الإختلاف الّذي يقعُ بين أهلِ العلم فى النَّوازل الَّتى عدُمت فيها النُصوص فى الفروع، أوغمُضت فيها الأدلَّة، فيُرجع فى معرفة أحكامها إلى الإجتهاد، ويكُونُ للمُصيبِ أجران، وللمُخطئ أجرٌ على اجتهاده.
عن عمرو بن العاص أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا إجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا إجتهد فأخطأ، فله أجر" (البخاري)

-قال الإمام ابن تيميّة، بعد ذكره لضلالات المتكلّمين، من المنتسبين إلى الإسلام: وهذا إذا كان في المقالات الخفيّة فقد يقال: إنه فيها مخطىء ضال، لم تقم عليه الحجّة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظّاهرة التي تعلم العامّة والخاصّة من المسلمين أنّها من دين المسلمين؛ بل اليهود والنصارى يعلمون؛ أنّ محمداً صلّى الله عليه وسلّم بعث بها، وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيّين والشّمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك.
فإنّ هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصّلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنّصارى والمشركين والصّابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والرّبا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور، فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام" (الفتاوى:4\43)

-وقال الإمام "ابن القيم" (ت: 751ﻫ) فى طريق الهجرتين: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتّباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافرٌ جاهلٌ فغاية هذه الطبقة أنّهم كفّار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يُخرجهم عن كونهم كفّاراً، فإنّ الكافر من جحد توحيد الله وكذّب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد" [طريق الهجرتين: 411]

-وقال أيضاً: في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]:
"فهذا إستدلال قاطع على أنّ الإيمان بالله أمر مستقرّ في الفطر والعقول وأنّه لا عُذر لأحد في الكفر به البتة" (بدائع التفسير)

ليس في أمَّة الإسلام، من هو معرُوف بالعلم، وقال: إنَّ من ضلَّ عن التَّوحيد فأشرك باللهِ، أنَّهُ معذورٌ إذا كان قد إجتهد وبذل وسعه في إدراك الحقّ... لم يقُلْ ذلك صراحة إلا الجاحظ ، المعتزلي الضال، وهو على ضلالهِ يقولُ: "أنهُ معذورٌ في الآخرة، أمَّا في الدُّنيا فله أحكامُ الكفّار"، وكذلك هو يشترط الاجتهاد وبذل الوسع، ومع ذلك كفّرهُ العلماء بالاجماع. فكيف بمن يقُولُ: "إنَّهُ مُسلمٌ في أحكام الدُّنيا"، ولا يشترط الاجتهاد وبذل الوسع، لا شكَّ أنَّهم أولى بالتّكفير من الجاحظ.

ذكر القاضي عياض مقالة الجاحظ ، وأنَّهُ كان يرى:"أن كثيراً من العامّة والنّساء والبله ومقلّدة النّصارى واليهود وغيرهم لا حجّة لله عليهم، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال".
قال: وقائل هذا كلّه كافر بالإجماع على كفر من لم يكفّر أحداً من النّصارى واليهود وكلّ من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شكَّ". (الشفا:2\167).

وقال ابنُ قدامة:"أمَّا الَّذى ذهب إليه الجاحظ فباطلٌ يقينا وكفر بالله تعالى، وردٌ عليه وعلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّا نعلم قطعا أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر اليهود والنَّصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمَّهم على إصرارهم، ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم، ونعلم أنَّ المعاند العارف مما يقل، وإنَّما الأكثر مقلَّدة إعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرَّسول وصدقه، والآيات الدّالَّة فى القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27].
وقوله ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 23]. (روضة الناظر).

"يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم"

بواسطة مدونة الخلافة يوم |


قال ابن كثير :

( " يوم لا ينفع الظالمين " وهم المشركين " معذرتهم " أي : لا يقبل منهم عذر ولا فدية . ) أ . هـ

ذكر تعالى أن الظالمين لا يسمع لهم عذر يوم القيامة ولا يقبل منهم , وإن كانوا سيقدمون الكثير من الأعذار , منها الصادقة ومنها الكاذبة , وقد أفاض القرآن الكريم بذكر أنواعاً من اعتذاراتهم , منها أنهم سيقولون

" إنا كنا عن هذا غافلون " الأعراف 172.

وآخرون سيقولون :

" إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أتهلكنا بما فعل المبطلون " الأعراف 173.

ويعتذرون : " وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلاً " الأحزاب 76.

بل منهم من تبلغ به الجرأة أن يقسم " والله ربنا ما كنا مشركين " الأنعام 23.

ومنهم من يقول : " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون "المؤمنون 107.

ومنهم من سيقول :
" ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى " طـه 134.

ويقول لهم :
" أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " طـه 133.

ومنهم من يقول :" ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون . لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون "الزخرف 77 -88

هذا هو الحال في الآخرة لذا يقول تعالى :
" فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً "الكهف 110.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ( قال ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الآية :
أي : كما أن الله واحد لا إله سواه , فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له , فكما تفرد بالألوهية يجب أن يفرد بالعبودية , فالعمل الصالح : هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة .
وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمرسلين قبله هو إفراده تعالى بأنواع العبادة , كما قال تعالى :
" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون "
والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام :
إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وألوهيته ويدعو الناس إلى عبادته.
وإما طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان.
أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها .
أو شاك في التوحيد:أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريك في عبادته ؟
أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين . ) أ.هـ

ويحذرك المولى تبارك وتعالى من آفتين تصيبان النفس البشرية فتهلكها :

الأولى : الأماني الكاذبة وترك العمل الصالح. يقول تعالى :
" ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلي ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ويئس المصير " الحديد 14 – 15.

الثانية : طول الأمد المؤدي إلى قسوة القلب . يقول تعالى :
" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون "الحديد 16.

ويذكر المولى تبارك وتعالى , أن جميع الأعذار التي تتعلق بها النفوس العاتية والنفوس الغافلة , والنفوس الفاجرة, مرفوضة ساقطة , ولهم اللعنة ولهم سوء الدار .

من ذلك :
1- قوله تعالى :" فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون " الروم 57.
قال ابن كثير :
( " فيومئذ " أي يوم القيامة " لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم " أي اعتذارهم عما فعلوا " ولا يستعتبون " أي ولا يرجعون إلى الدنيا كما قال تعالى : " وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ".) أ.هـ

2- قوله تعالى :
" يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار " غافر 52
قال ابن كثير :
( " يوم لا ينفع الظالمين " وهم المشركين " معذرتهم " أي : لا يقبل منهم عذر ولا فدية . ) أ . هـ

3- قوله تعالى :
" بل الإنسان على نفسه بصيرة . ولو ألقى معاذيره " القيامة . 14- 15.
قال القرطبي :
( قال مقاتل : أي لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعة ذلك . نظيره قوله تعالى " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم " . الأعراف 52 وقوله : " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " المرسلات . 36 فالمعاذير على هذا مأخوذة من العذر . ) .
ويقول : ( قلت : والأظهر أنه الإدلاء بالحجة والاعتذار من الذنب.. والدليل على هذا قوله تعالى في الكفار : " والله ربنا ما كنا مشركين " الأنعام . 23 . وقوله تعالى في المنافقين " يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم " المجادلة . 18 .
وفي الصحيح أنه يقول : ( يارب آمنت بك وبكتابك وبرسولك ، وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ) . الحديث أ.هـ
قال ابن كثير :
(وقال مجاهد : " ولو ألقى معاذيره " ولو جادل عنها فهو بصير عليها . وقال قتاده : " ولو ألقى معاذيرة " ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه . وقال السدى " ولو ألقى معاذيره " حجته . وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير ، وقال قتادة عن زرارة عن ابن عباس " ولو ألقى معاذيره "يقول لو ألقى بهتانه ، وقال الضحاك : ولو ألقى ستوره وأهل اليمن يسمون الستر العذار ، والصحيح قول مجاهد وأصحابه كقوله تعالى : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " وكقوله تعالى : " يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون" وقال العوفي عن ابن عباس : " ولو ألقى معاذيره" هي الاعتذار ، ألم تسمع أنه قال : " لا ينفع الظالمين معذرتهم " وقال : " وألقوا إلى الله يومئذ السلم ما كنا نعمل من سوء " وقولهم " والله ربنا ما كنا مشركين ".اهـ

4- يقول تعالى :
" هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون " المرسلات 35 – 36 .

قال القرطبي :
(" هذا يوم لا ينطقون " أي : لا يتكلمون " ولا يؤذن لهم فيعتذرون "..ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل) أ.هـ

وقال : ( وقال الجنيد : أي عذر لمن اعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه ؟! ) أ.هـ

قال ابن كثير :
(" هذا يوم لا ينطقون " أي : لا يتكلمون " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " أي : لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة , ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون . ) أ.هـ

5- قوله تعالى :
" يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون " . التحريم 7

قال القرطبي :
( " يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم " فإن عذركم لا ينفع . وهذا النهي لتحقيق اليأس . " إنما تجزون ما كنتم تعملون " في الدنيا . ونظيره : " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون " . الروم 57 . ) أ.هـ

قال ابن كثير :
( وقوله " يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون " أي : يقال للكفر يوم القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون وإنما تجزون اليوم بأعمالكم . ) أ.هـ

* هذه هي القاعدة العامة " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم "
* وهكذا تتقرر القواعد العامة في دين الله دائماً تتكرر فتتقرر ، والاستثناء من القواعد العامة لا يتقرر إلا بنص واضح بين الدلالة بصيغة الاستثناء كما هو الحال مع الأحكام الشرعية عموماً .
لذا كان الإكراه استثناء . قال تعالى :
" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " .
والجهل أكثر وقوعاً من الإكراه بل هو الأكثر شيوعاً أيضاً ، فلو كان عذراً لتقرر بنفس وضوح تقرير القواعد العامة – أو كما يتقرر الاستثناء من القواعد العامة ولكن مثلاً ( إلا من جهل وقلبه مطمئن بالإيمان ).وإلا فهل ينص على العذر الأقل وقوعاً والأقل شيوعاً بهذا الوضوح ، ثم يبهم الحكم بالنسبة للعذر الأكثر وقوعاً والأكثر شيوعاً ويترك للاجتهاد –خاصة القياس الفاسد – وبالتالي يكون الاختلاف

شيخ الاســلام يرد علي الجهميــة قديمآ وحديثآ

بواسطة مدونة الخلافة يوم |



شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيميَّة . ت : 728هـ .
_______________________________

قال في "مجموع الفتاوى"
__________________

(( فهؤلاء القائلون بقول جهم والصَّالحي قد صرَّحوا بأَنَّ سبَّ الله ورسوله : والتكلُّم بالتَّثليث وكلّ كلمة من كلام الكفر ليس هو كفراً في الباطن ولكنَّه دليل في الظَّاهر على الكفر ويجوز مع هذا أَنْ يكون هذا السابُّ الشاتِم في الباطن عارفاً بالله موحداً له مؤمناً به فإذا أُقيمَتْ عليهم حجَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أَنَّ هذا كافرٌ باطناً وظاهراً . قالوا : هذا يقتضي أَنّ ذلك مستلزِمٌ للتَّكذيب الباطن وأَنَّ الإيمان يستلزم عدم ذلك : فيقال لهم : معنا أمران معلومان :
(أحدهما) : معلومٌ بالاضطرار من الدِّين . و(الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسِنا عند التأمُّل .
أمَّا "الأول" : فإنَّا نعلم أَنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعاً بغير كَرْه ، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعاً غير مُكْرَهٍ ، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطناً وظاهراً ، وإِنَّ من قال : إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر ، فإنَّه قال قولاً معلوم الفساد بالضَّرورة من الدِّين وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفريَّة بمنزلة شهادةِ الشُّهود عليهم ، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقِرُّ لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صِدْقاً وقد تكون كَذِباً ،بل كان ينبغي أَنْ لا يعذِّبهم إلاَّ بشرط صِدْق الشَّهادة وهذا كقوله تعالى :{ لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ } {لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْن مَرْيَمَ } وأمثال ذلك .

وأما "الثاني" : فالقلب إذا كان معتقداً صدقَ الرَّسول ، وأَنَّه رسول الله ، وكان محِبَّاً لرسول الله معظِّماً له ، امتنع مع هذا أن يلعنَه ويسبَّه فلا يُتَصَّور ذلك منه إلاَّ مع نوعٍ من الاستخفاف به وبحرمَتِه ، فَعُلِم بذلك أنَّ مجرَّد اعتقاد أَنَّه صادق لا يكون إيماناً إلاَّ مع محبَّته وتعظيمه بالقلب )) .

وقال أيضاً : (( قوله : { مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ .لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ }

، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعدِ إيمانِهِ وذكر وعيدَه في الآخرة ، ثم قال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ } وبَيَّن تعالى أَنَّ الوعيد استحقوه بهذا .
ومعلومٌ أَنَّ باب التَّصديق والتَّكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحبِّ والبُغْضِ ، وهؤلاء يقولون إِنَّما استحقُّوا الوعيدَ لزوال التَّصديق والإيمان من قلوبهم ، وإِنْ كان ذلك قد يكون سببه حبَ الدُّنيا على الآخرة ، والله سبحانه وتعالى جعل استحبابَ الدُّنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخُسْران . واستحباب الدُّنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتَّصديق بأَنَّ الكفر يضرُّ في الآخرة ، وبأَنَّه مالَه في الآخرة من خَلاق .

و "أيضاً" فإِنَّه سبحانه استثنى المكْرَه من الكفار ، ولو كان الكفر لا يكون إلاّ بتكذيب القلب وجهله لم يُسْتَثْنَ منه المُكرَه ، لأَنَّ الإكراه على ذلك ممتنعٌ فعُلِمَ أَنَّ التَّكلُّم بالكفركفرٌ إلاَّ في حال الإكراه .

وقوله تعالى : { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } . أي : لاستحبابه الدُّنيا على الآخرة ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينَه بعَرَضٍ من الدُّنيا ) فمن تكلَّم بدون الإكراه ، لم يتكلَّم إلاَّ وصدرُه منشرحٌ به )) .
وقال : (( فإن قيل : فقد قال تعالى : { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا }قيل : وهذا موافقٌ ، لأوَّلها فإِنَّه من كفر من غير إكراهٍ فقد شرح بالكفر صدراً ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشَّارح صدرَه ، وذلك يكون بلا إكراه ، لم يستَثْنِ المكرَه فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكرَهُ وغير المكرَهِ إذا لم يشرح صدرَه، وإذا تكلَّم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهي كفرٌ ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى
: { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ . وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ }

فقد أخبر أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنَّا تكلَّمْنا بالكفر من غير اعتقادٍ له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاء بآيات الله كفرٌ ، ولا يكون هذا إلاَّ ممَّن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمانُ في قلبه منعَه أنْ يتكلَّمَ بهذا الكلام )) .

وقال في "الصارم المسلول" : (( من قال بلسانه كلمةَ الكفرِ من غير حاجةٍ عامداً لها عالماً بأَنَّها كلمة كفرٍ فإِنَّه يكفرُ بذلك ظاهراً وباطناً ، ولأنَّا لا نجوِّز أَنْ يقال : إِنَّه في الباطن يجوز أَنْ يكونَ مؤمناً ، ومن قال ذلك فقد مَرَق من الإسلام ، قال سبحانه: { مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ومعلومٌ أَنَّه لم يُرِدْ بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأَنَّ ذلك لا يُكره الرَّجل عليه، وهو قد استثنى من أُكْرِه ولم يُرِدْ من قال واعتقد ، لأَنَّه استثنى المُكرَه وهو لا يُكرَه على العقد والقول ، وإِنَّما يُكرَه على القول فقط ، فعلِم أَنَّه أراد من تكلَّم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذابٌ عظيم وأَنَّه كافرٌ بذلك إلاَّ من أُكرِه وهو مطمئنٌّ بالإيمان ، ولكن من شرح بالكفر صدراً من المُكرَهين فإِنَّه كافرٌ أيضاً ، فصار من تكلَّم بالكفر كافراً إلاَّ من أُكرِه فقال بلسانه كلمةَ الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، وقال تعالى في حقِّ المستهزئين : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )) .

وقال أيضاً :
(( وقال سبحانه : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِليْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ . إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } فبيَّن سبـحانه أَنَّ من تولَّى عن طاعة الرَّسول وأعرض عن حكمِه فهو من المنافقين ، وليس بمؤمنٍ ، وأَنَّ المؤمن هو الذي يقول : سمعنا وأَطعنا ، فإذا كان النِّفاق يثبُتُ ، ويزولُ الإيمان بمجرَّد الإعراض عن حكم الرَّسول وإرادة التَّحاكم إلى غيرِه، مع أنَّ هذا ترك محضٌ ، وقد يكون سببه قوَّة الشَّهوة ، فكيف بالتنَّقص والسبِّ ونحوه ؟ )) .

وقال أيضاً :
(( ولا فرقٌ بين من يعتقد أَنَّ الله ربَّه ، وأَنَّ الله أمره بهذا الأمر ثم يقول : إِنَّه لا يطيعه ، لأَنَّ أمره ليس بصوابٍ ولا سدادٍ ، وبين من يعتقد أَنَّ محمَّداً رسول الله وأَنَّه صادقٌ واجبُ الاتباع في خبره وأمره ، ثم يسبّه أو يَعيب أمرَه أو شيئا من أحواله ، أو تنقَّصه انتقاصاً لا يجوز أَنْ يستحقَّه الرَّسول ، وذلك أَنَّ الإيمان قولٌ وعمل ، فمن اعتقد الوحدانيَّة في الألوهيَّة لله سبحانه وتعالى، والرِّسالة لعبده ورسوله ، ثم لم يُتْبِع هذا الاعتقاد موجَبَه من الإجلال والإكرام - الذي هو حالٌ في القلب يظهر أثره على الجوارح ، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل - كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه ، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد ، ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصَّلاح ، إذْ الاعتقادات الإيمانية تزكِّي النفوس وتصلِحها ، فمتى لم توجب زكاة النفس ولا صلاحها فما ذاك إلاَّ لأَنَّها لم ترسخْ في القلب ، ولم تصِرْ صفةً ونعتاً للنَّفس ولا صَلاحاً ، وإذا لم يكُنْ علم الإيمان المفروض صفةٌ لقلب الإنسان لازمةٌ له لم ينفعه ، فإِنَّه يكون بمنـزلةِ حديث النَّفس وخواطر القلب ، والنجاة لا تحصل إلا بيقينٍ في القلب ، ولو أَنَّه مثقال ذرَّة . هذا فيما بينَه وبين الله،وأمَّا في الظَّاهر فيُجري الأحكامَ على ما يظهِره من القول والفعل )) .

وقال أيضاً : (( إنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهراً وباطناً ، سواءً كان السابُّ يعتقد أَنَّ ذلك محرَّم ، أو كان مستحلآ له ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ …

وكذلك نُقِلَ عن الشافعيّ أَنَّه سُئِل عمَّن هَزَلَ بشيءٍ من آياتِ الله تعالى أَنَّه قال : هو كافرٌ ، واستدلَّ بقول الله تعالى : { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } وكذلك قال أصحابنا وغيرهم : من سبَّ الله كفر، سواءً كان مازحاً أو جادَّاً لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به …. ويجب أَنْ يعلم أَنَّ القول بأَنَّ كفر السَّابِّ في نفس الأمر إِنَّما هو لاستحلاله السبَّ زلَّة منكَرةٌ وهفوةٌ عظيمةٌ … وذلك من وجوه :

أحدها : أَنَّ الحكاية المذكورة عن الفقهاء أَنَّه إِنْ كان مستحلاًّ كفر، وإلاَّ فلا ، ليس لها أصلٌ ، وإِنَّما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلِّمين (اي انه كلام المتكلمين )الذين نقلوها عن الفقهاء ، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنُّوه جارياً على أصولِهم ، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعدُّ قوله قولاً ، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم ، فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإِنَّما ذلك غلطٌ ، لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من الفقهاء أئمةَ الفتْوى هذا التفصيل البتَّةَ .

الوجه الثاني : أَنَّ الكفر إذا كان هو الاستحلال فإِنَّما معناه اعتقاد أَنَّ السبَّ حلالٌ ، فإِنَّه لمَّا اعتقد أَنَّ ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ كفَرَ ، ولا رَيْبَ أَنَّ من اعتقد في المحرَّمات المعلوم تحريمها أَنَّها حلال كفر ، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النَّبيِّ وبين قذف المؤمنين والكذب عليه والغِيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أَنَّ الله حرَّمها ، فإِنَّه من فعل شيئاً من ذلك مستحلاًّ كفرٌ ، مع أَنَّه لا يجوزُ أَنْ يُقال : مَنْ قذفَ مسلماً أو اغتابه كفر،ويعني بذلك إذا استحلَّه .

الوجه الثالث : أَنَّ اعتقاد حلِّ السَّبِّ كفر ، سواء اقترن به وجود السبِّ أو لم يقترن ، فإذاً لا أثر للسبِّ في التَّكفير وجوداً وعدماً ، وإِنَّما المؤثِّر هو الاعتقاد ، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء .

الوجه الرابع : أَنَّه إذا كان المكفِّر هو اعتقاد الحلِّ فليس في السبِّ ما يدلُّ على أَنَّ السَّابَّ مستحلٌّ ، فيجب أنْ لا يكفَّر ، لاسيَّما إذا قال " أنا أعتقد أَنَّ هذا حرامٌ ، وإِنَّما أقول غيظاً وسفَهاً ، أو عبثاً أو لعباً " كما قال المنافقون : { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ }.
وكما إذا قال : إِنَّما قذفت هذا وكذبت عليه لعباً وعبثاً ، فإن قيل لا يكونون كفاراً فهو خلاف نصِّ القرآن ، وإنْ قيل يكونون كفاراً فهو تكفيرٌ بغير موجبٍ إذا لم يجعل نفس السَّبِّ مكفِّراً ، وقول القائل : أنا لا أصدِّقه في هذا لا يستقيم ، فإنَّ التَّكفير لا يكون بأمرٍ محتملٍ ، فإذا كان قد قال : أنا أعتقد أنَّ ذلك ذنبٌ ومعصيةٌ وأنا أفعلُه ، فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفراً ؟
ولهذا قال سبحانه وتعالى : { لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ولم يقل قد كذبتم في قولكم إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فلم يكذِّبهم في هذا العُذر كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين ، بل بَيَّن أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم ، بهذا الخوض واللعب )) .اهـ

الارجــاء لادين له

بواسطة مدونة الخلافة يوم |



ماهى اقامه الحجه؟ ومالفرق بينها وبين الاستتابه؟
وهل اقامه الحجه تعنى استيفاء الشروط وانتفاء الموانع

والجواب :

المقصود بقيام الحجة هو بلوغ النص الشرعي من الكتاب أو السنة بوجوب عمل ما أو تحريم عمل ما للمكلف بلوغا حقيقيا أو بلوغا حكميا (أي الوجود في مكان يتمكن فيه المكلف من سماع الحجة) .

وهي تختلف باختلاف نوع المسألة التي نتكلم عليها فالحجة في أصل الدين والشرك غير الحجة في مسائل الشرائع الظاهرة غير الحجة في باب المسائل الخفية .

ومن أنواع اقامة الحجة استتابة المرتد ولكن الاستتابة ليست كما يظن البعض من أجل الحكم على من أتى بالردة بأنه مرتد ولكن تكون الاستتابة لمن حكمنا عليه بأنه مرتد لإنزال حد الردة عليه فهي بمثابة المراجعة والانذار الأخير للمرتد قبل قتله .

أما صور اقامة الحجة المختلفة بحسب طبيعة المسألة فهي:
_________________________________________

1- في مسائل أصل الدين واتيان الشرك بالله فالحجة هي السماع بالرسول وبلوغ القرآن والسماع به وهذه الحجة تفيد في لزوم العذاب على الشرك الذي اقترفه العبد أما التسمية فهو مشرك بمجرد فعله للشرك سواء كان جاهلا أو متأولا أو مقلدا لأنه أتى بما يخرجه عن حد التوحيد ويدخله في حقيقة الشرك .

قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (الإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن فهو كافر ولا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة) الدرر10/247
وقال الشيخ حمد بن ناصر (قد أجمع العلماء أن من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحجة عليه قائمة) الدرر 11/72.

قال ابن القيم في طريق الهجرتين : " والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل " .

2- أما الحجة في المسائل الظاهرة فهي أحد الطرق الآتية :
______________________

1- العلم حقيقة بالنص الشرعي
2- البلاغ عن أي طريق من الطرق
3- وجود دعوة أودعوه قائمة
4- الوجود في مكان به علماء أودعوه
5- التمكن من الوصول للحجة

والدليل :
قال تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)

وقال تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة)،

وقال ابن تيمية: إن القرآن حجة على من بلغه... فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول صل الله عليه وسلم) الفتاوى 16/149

وقال: على قوله تعالى (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الاستماع والتدبر لا بنفس الاستماع ففي الكفار من تجنب سماع القرآن واختار غيره، الفتاوى 16/166

وقال (حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم فليس من شرط حجة الله علم المدعوين بها ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانع من قيام حجة الله عليهم) كتاب الرد على المنطقيين ص113 في المقام الثالث ،

وقال أيضا: ليس من شرط تبليغ الرسالة أن يصل إلى كل مكلف في العالم بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه) ( بتصرف ) الفتاوى 28/125).

ملاحظة 1 :
ــــــــــــــ

حد المسائل الظاهرة هو ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله (العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعلموه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله موجودا عاما عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صل الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم وهذا العلم الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر والتأويل ولا يجوز فيه التنازع) الرسالة ص 359،357

ملاحظة2 :
ـــــــــــــــ

يكفي لقيام الحجة مجرد بلوغها للمكلف ولا يشترط في أصل الدين والمسائل الظاهرة أن يفهمها الفهم الموجب للانتفاع بها واستيعابها استيعابا كاملا والإحاطة بها من جميع جوانبها .
قال تعالى (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام)
وقال تعالى (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون )

وقال تعالى (وأُوحي إلى هذا القرآن لأُنذركم به ومن بلغ) وقال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله).

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مع أن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) الآية ثم ضرب أمثلة لأناس قامت عليهم الحجة لكن لم يفهموها مثل: الخوارج، والذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وغلاة القدرية، ( تاريخ نجد ص 410).

3-الحجة في المسائل الخفية (كـ/مسائل القدر والصرف والعطف )هو بلوغ الدليل الشرعي للمكلف وإزالة الشبهة
___________________________

1-قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله – في شرح العمدة : "وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما عظم أمره وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر، يعني: فإنه لا يقال قد يعفى عنه"

2-وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله - : "فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف ؛ وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى : (( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)) وقيام الحجة نوع، وبلغوها نوع وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله : صل الله عليه وسلم في الخوارج (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم )) وقوله : (( شر قتلى تحت أديم السماء )) مع كونهم في عصر الصحابة...".

- أما استيفاء الشروط وانتفاء الموانع فهو التحقق من توفر الشروط الشرعية في المكلف ليكفر ويؤاخذ على فعله وقد يحدث هذا التحقق أثناء عملية اقامة الحجة وقد يحدث قبلها .

- ومن هذه الشروط :
_______________

1- أن يكون بالغًا
2- أن يكون عاقلاً
3- أن يكون مختارا للفعل غير مكره

ونلاحظ أن هذه الشروط والموانع سهلة بسيطة لا تحتاج لكبير جهد ووقت لاستيفائها وليست بالصعوبة التي يدعيها أهل الارجاء والتجهم ليلغوا بها أحكام الكفر والإيمان كما يتمنون.

- ونلاحظ أيضا أن التأويل والجهل لا يعدان من موانع تكفير من نقض أصل دينه بالشرك خاصة لأن التوحيد والاسلام له حقيقة واحدة يناقضها تماما الشرك بالله تعالى فإذا أشرك المكلف مع الله آلهة آخرى فقد انتفت حقيقة التوحيد عنه وثبت له حقيقة الشرك واسم الشرك سواء كان ما فعل جهلا منه أو تأولا والنصوص متضافرة على ذلك والإجماع قد انعقد على ذلك .

والحجة تشترط على المشرك لإنزال العقوبة عليه من قتل والجزم له بالخلود في النار من غير امتحان في العرصات على قول بعض أهل العلم وليس اقامة الحجة شرطا ليسمى مشركا بعد بلوغها إليه إذ هو مشرك بمجرد صرف عبادة لغير الله تعالى .
__________________________________

قال الشيخ أبا بطين في "الدرر" [10/401]، قال:
(ونحن نعلم أن من فعل ذلك – الشرك - ممن ينتسب للإسلام، أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد وأنه من الشرك الذي حرم الله لم يقدموا عليه، فكفرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين؛ إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال).

قال الشيخ أبا بطين في"الدرر السنية" [12/72 – 73]، وفي"مجموعة الرسائل"[1/659]، [1/659]، قال: (فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا أو مجتهدا أو مخطئا أو مقلدا أو جاهلا معذور، مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله؛ كفر بلا ريب، كما لوتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد صل الله عليه وسلم

يقول الامام ابن القيم في كتابه الماتع طريق الهجرتين في معرض كلامه حول طبقات المكلفين(الطبقه السابعة عشر)
_____________________________________

طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم، الذين هم معهم تبعا لهم، يقولون؛ إنا وجدنا آباءنا على ذلك، ولنا بهم أسوة، ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام، غير محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم، الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصبت له أولئك، من السعي في إطفاء نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، بلهم بمنزلة الدواب.

قال ابن القيم: وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع؛ أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام.

(ويقول الامام ابن القيم)

(والإسلام؛ هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فان لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندا، فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة؛ أنهم كفار جهال غير معاندين، وعم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فإن الكافر من جحد توحيد الله )
______________________

تابعني

مواضيع أخري

Translate

الأكثر قرائة

أخر المواضيع

الأرشيف

مقطع مميز

صفحة جوجل بلس

تابعنا

متابعون بلوجر